هذا فيما يتعلق بنبذ الترف وأخذ الأمير أتباعه بخشونة العيش، لٍمَا في ذلك من منافع للعبد في دنياه وأخراه، ويتأكد هذا في حق العاملين في حقل الجهاد. أما المنافع الدنيوية لخشونة العيش فهي ما أشرنا إليه آنفا. وأما المنافع الأخروية فمنها ما يترتب على المنافع الدنيوية المذكورة ومنها ما يترتب على ترك الحظ من المتاع الدنيوي لِيُدَّخَر لصاحبه في الآخرة، فالراجح أن كل ما يحصل عليه المؤمن من حظ في دنياه ينقص من أجره الأخروي وقد أشرت إلى هذا في أوائل هذه الرسالة في شرح النووي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ» [1] ، وفي هذا المعنى خَبَّاب بن الأَرَتّ (هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى، فَمِنَّا مَنْ مضى لم يأخذ من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قُتِلَ يوم أُحُد وترك نَمِرَة، فإذا غَطَّينا رأسه بَدَت رجلاه، وإذا غطينا رجلاه بدا رأسه فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها) [2] ، والنمرة كساء، ويهدبها أي يقطفها. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: [قوله: «لم يأكل من أجره شيئا» أي من عَرَض الدنيا، وهذا مُشكل على ما تقدم من تفسير ابتغاء وجه الله، ويجمع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز لثواب الآخرة، وذلك أن القصد الأول هو ما تقدم لكن منهم من مات قبل الفتوح كمصعب بن عمير ومنهم من عاش إلى أن فُتِح عليهم، ثم انقسموا فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولا فأولا بحيث بقي على تلك الحالة الأولى وهم قليل منهم أبو ذر، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول ومنهم من تَبَسَّطَ في بعض المباح يتعلق بكثرة النساء والسراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك ولم يستكثر وهم كثير ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضا منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خباب، فالقسم الأول وما التحق به تَوَفَّر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخير أنه يحسب عليهم ما وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ» الحديث، ومن ثَمَّ آثر كثير من السلف قِلَّة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه] أ هـ [3] .
قلت: وقد رُوي عن عمر - رضي الله عنه - عنه مثل هذا مستدلا بقوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا} [4] .
وهذا هو ما قصدته من أن نبذ الترف وخشونة العيش خير للعبد في دنياه وأخراه.
وهذا ما تَيَسَّر ذَكْره من واجبات الأمير في الإعداد الإيماني. ثم أذكر بعض المسائل المتعلقة بالإعداد الإيماني في الملاحق الأربعة التالية إن شاء الله تعالى.
(1) - رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو
(2) - رواه البخاري
(3) - (فتح الباري) ج 11/ 278
(4) - سورة الأحقاف، الآية: 20 تفسير ابن كثير 4/ 160