عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [1] ، وقال تعالى عن قوم نوح: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [2] .
قال ابن القيم رحمه الله: [طالب العلم والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحَبْسَيْن، حبس قلبه في طلبه ومطلوبه. وحبسه عن الالتفات إلى غيره وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه على ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته. وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات، فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السحن إلى أوسع فضاء وأطيبه. ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفَرَّ منهما إلى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا، فكل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس وبالله التوفيق] [3] .
وقال رحمه الله: [لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها وخِسَّتها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها. فطالبها لا ينفك من هَمٍّ قبل حصولها وهَمٍّ في خال الظفر بها وغَمٍّ وحزن بعد فواتها فهذا أحد النظرين.
(النظر الثاني) النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولابُد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمَسَرَّات والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا، فهي كما قال الله سبحانه: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [4] ، فهي خيرات كاملة دائمة وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة، فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكا أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا إذا تَبَيَّن له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل فإذا آثر الفاني الناقص كان ذلك إما لعدم تَبَيُّن الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل.
وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة، ولهذا نبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم وأطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها وعَدُّوها سجنا لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب فقد عُرِضت عليه مفاتيح كنوزها فَرَدَّها وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها مَعْبَر ومَمَر لا دار مقام ومستقر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» أهـ [5] .
(1) - سورة الكهف، الآية: 28
(2) - سورة الشعراء، الآيات: 111 ـ 114
(3) - (الفوائد لابن القيم) ط المتنبي ص 54
(4) - سورة الآعلى، الآية: 17
(5) - باختصار من (الفوائد لابن القيم) ص 94 ـ 95.