فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 403

من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة وهي الفناء في الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يُسام بالمذلة، فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها] [1] .

قلت: وهذا الكلام السابق يصف حال كثير من المسلمين الآن، فهم في مذلة وانقياد مهين وهو الحال الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ مِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تنزعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» قَالُوا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [2] .

وقال ابن خلدون أيضا في الفصل الثامن عشر: ["في أن من عوائق المُلك الترف وانغماس القبيل في النعيم"ـ إلى قوله ـ وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافُهم على الفناء فضلا عن المُلك، فإن عوارض الترف والغرق في النعيم كَاسِر من سورة العصبية التي بها التغلب، وإذا انقرضت العصبية قَصَّر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة، والتهمتهم الأمم سواهم، فقد تبين أن الترف من عوائق المُلك، والله يؤتي ملكه من يشاء ـ إلى أن قال في الفصل العشرين ـ إذا تأذن الله بانقراض المُلك من أمة جملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طرقها، فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج المُلك من أيديهم ويتبدل بهم سواهم، ليكون نعيا عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك وجعل في أيديهم من الخير، وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا، واستقرئ ذلك وتتبعه في الأمم السابقة تجد كثيرا مما قلناه ورسمناه، والله يخلق ما يشاء ويختار] [3] .

قلت: والعصبية التي يشير إليها ابن خلدون عند القبائل تقابل العقيدة الجهادية القتالية عند المسلمين تضعف بالترف والمذلة، ولابد لبعتها في النفوس من علاج هذه الأسباب وغيرها لتنبعث هذه العقيدة حية من جديد في نفوس المسلمين.

وكلما تقلل العبد من الدنيا ومتاعها، كلما هانت عليه وهان عليه فراقها، وسهل عليه الجهاد والبذل وهانت عليه التضحيات ومصائب الدنيا. ولذلك فقد كان المتقللون من الدنيا هم أتباع الرسل، كما ورد في حديث ابن عباس في قصة هرقل مع أبي سفيان، فقال هرقل (وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) [4] .وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ

(1) - (المقدمة، ص: 141)

(2) - رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان، وصححه الألباني

(3) - (مقدمة ابن خلدون ص 140 ـ 144 طبعة دار القلم 1978م)

(4) - رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت