فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 403

تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [1] ، وقال تعالى عن أصحاب الشمال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [2] ، وانظر الآيات: الإسراء 16 والأنبياء 13 والمؤمنون 33، 64 فهذه ثمان آيات وارد فيها ذكر الترف، ولم يرد إلا في مَعْرِض الذم.

ولا يضن أحد أننا نُهَوِّن من قدر المال، فالمال قِوَام الحياة وعصب الحرب، وسبق تفصيل هذا عند الكلام عن النفقة في سبيل الله في الباب الثاني.

ولكنا نحذر من الإسراف في التنعم خاصة للعاملين في حقل الجهاد، لِمَا لهذا من آثار سيئة رأيناها بأعيننا، آلت بالبعض إلى التخلي عن قضية الجهاد والركون إلى الدنيا، وأقبح من هذا تبرير هذا الركون. واعتبر بحال من ابتُلِيَ بهذا ممن تعرفهم من الناس فستجده صوابا.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [3] ، وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [4] .

وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصولا نافعة في بيان مضار الترف وأثره في زوال الدول وبَيَّن كذلك أثر الخشونة في الغلبة على الأعداء. فقال في الفصل السادس عشر: ["في أن الأمم الوحشية أقدر على التَّغَلُّب ممن سواها"اعلم أنه لما كانت البَدَاوَة سببا في الشجاعة كما قلناه في المقدمة الثالثة، لا جرم كان هذا الجيل الوحشي أشد شجاعة من الجيل الآخر، فهم أقدر على التغلب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم، بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الأعصار، فكلما نزلوا الأرياف وتَفَنَّقوا في النعيم، وأَلِفوا عوائد الخصب في المعاش والنعيم، نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحشهم وبداوتهم] [5] .

وتكلم ابن خلدون عن التيه الذي قَدَّره الله على بني إسرائيل، ورَجَّح أن الحكمة منه أن ينشأ جيل قادر على الغلبة، فقال في الفصل التاسع عشر: [ .. في أن من عوائق الملك المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم"وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها، فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة، واعتَبِر ذلك في بني إسرائيل لَمَّا دعاهم موسى - عليه السلام - إلى مُلْكِ الشام وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكها، كيف عجزوا عن ذلك وقالوا إن فيها قوما جبارين ـ إلى قوله ـ فعَاقَبَهم الله بالتِّية، وهو أنهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران ولا نزلوا مِصْرا ولا خالطوا بشرا، كما قَصَّه القرآن لغلظة العمالقة بالشام والقبط بمصر عليهم، لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه، ويظهر"

(1) - سورة هود، الآية: 116

(2) - سورة الواقعة، الآية: 45

(3) - سورة المنافقون، الآية: 9

(4) - سورة الأنفال، الآية: 28

(5) - المقدمة، ص: 138

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت