فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 403

للنَقْلة من العلم إلى العمل. ولذلك ينبغي أن يَختار الأمير لهذه الوظيفة فردا من أكبرهم سنا وأوفرهم علما وأدبا ولين جانب، فردا يألف الناس ويألفونه بلا تكلف.

6 = قيام الليل وصيام النفل من أفضل أساليب مجاهدة النفس وتزكيتها، فلا ينبغي إغفال ذلك. ولا ينبغي على الأمير إلزام اتباعه بذلك خاصة مع التدريب الشاق، بل يندبهم ويرغبهم ويَكل كلًا منهم لاجتهاده وطاقته، فقد عقد البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه بابين متعلقين بالصوم في الغزو، الأول باب (من اختار الغزو على الصوم) والثاني باب (فَضْل الصوم في سبيل الله) ، فروى في الأول عن أنس قال: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى» . وروى في باب (فَضْل الصوم في سبيل الله) عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . وروى البخاري أيضا في باب (فضل الخدمة في الغزو) عن أنس - رضي الله عنه: (قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرُنَا ظِلا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ) قال ابن حجر: [ (فَبَعَثُوا الرِّكَابَ) أي أثاروا الإبل لخدمتها وسقيها وعلفها، قوله (بِالأَجْرِ) أي الوافر، وليس المراد نقص أجر الصُّوام بل المراد أن المُفطّرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام، لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام، ... وقال: قال ابن أبي صفرة: فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام قلت: وليس ذلك على العموم. وفيه الحض على المعاونة في الجهاد، وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام. وأن الصيام في السفر جائز خلافا لمن قال لا ينعقد] [1] .

قلت: يتضح من الأحاديث الثلاثة التي رواها البخاري، أن الصوم في السفر والغزو جائز، وتركه أولى لمن يضعفه الصوم عن القيام بما يجب عليه في السفر والغزو من التدريب والقتال ونحوها.

7 = وينبغي للأمير أن يحمل أتباعه على خشونة العيش ونبذ الترف، لِمَا للترف من آثار ضارة على العبد في عاجله وآجله، منها قسوة القلب والكِبْر والركون إلى الدنيا وحبها وكراهة الموت، وما يتبع ذلك من القعود عن الجهاد بل والإعراض عن الحق بل والصد عنه.

والترف هو التوسع في النعمة [2] ، ولم يَرِد الترف في القرآن إلى في معرض الذم.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [3] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [4] ، قال

(1) - (فتح الباري 6/ 84)

(2) - (المفردات للراغب الأصفهاني)

(3) - سورة سبأ، الآية: 34

(4) - سورة الزخرف، الآية: 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت