يأخذ ما يريد ويدع ما يريد من كلام ابن تيمية، بل تجاوز هذا، فقد تصرّف فيما نقله المؤلف فيما نقله عن شيخ الإسلام بالحذف والإضافة ليوهم القارئ أن شيخ الإسلام ينكر تعاهد الناس واتفاقهم على التعاون على البر والتقوى، وهذا التحريف في نقل فتاوى العلماء ليس من الأمانة العلمية في شيء.
فقد نقل المؤلف في ص 36 من كتابه كلاما لشيخ الإسلام من المجلد 28 ص 18، تَصَرَّف فيه بالحذف والإضافة ليطَوِّعه لرأيه. وكان شيخ الإسلام رحمه الله يتحدث عن تعصب التلاميذ لمعلميهم في صورة شد الوسط وغيره، فنهى عن ذلك.
قال ابن تيمية: [فإن كان المقصود بهذا الشد والانتماء التعاون على البر] إلا أن المؤلف كتب هذه العبارة هكذا (من أنه إذا كان مقصودهم بهذا الاتفاق والانتماء والبيعة التعاون على البر) ، وكما ترى فقد أدخل المؤلف كلمة (البيعة) ضمن كلام ابن تيمية لينصر رأيه، فَقَوَّل ابن تيمية رحمه الله ما لم يَقُله، وكذلك حذف كلمة (الشد) وأضاف كلمة (الاتفاق) .
كذلك فقد نقل المؤلف في ص37 من كتابه، أن شيخ الإسلام رحمه الله قال: ليس لأحد أن يقول يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريد، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكز خان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا واليا، ومن خالفهم عدوا باغيا [1] .
وهذا النقل أيضا يوهم القارئ أن شيخ الإسلام يمكر تعاهد الناس على أعمال البر. والحق أن كلام شيخ الإسلام السابق ورد في معرض جوابه عن سؤال جاء فيه (وهل للمبتدئ أن يقوم وسط جماعة من الأستاذين والمتعلمين ويقول: يا جماعة الخير، أسأل الله تعالى وأسألكم أن تسألوا فلانا أن يقبلني أن أكون له أخا أو رفيقا أو غلاما أو تلميذا أو ما أشبه ذلك، فيقوم أحد الجماعة فيأخذ عليه العهد ويشترط عليه ما يريده ويشد وسطه بمنديل أو غيره، فهل يسوغ هذا الفعل أم لا؟] [2] .
فأجاب شيخ الإسلام ببيان مالا يجوز من هذا، وهو شد الوسط والتعصب للمُعَلم بحق أو بباطل وهو ما نقله مؤلف كتاب (البيعة) ، وكذلك بَيَّن شيخ الإسلام ما يجوز من هذا، وهو أن العهد جائز بين المعلم والتلميذ وذكر صيغة لهذا العهد، وهو ما لم ينقله مؤلف كتاب (البيعة) لأنه لو نَقَل هذا الجزء من جواب شيخ الإسلام لهدم كتابه من أساسه، وأهل العلم ينقلون ما لهم وما عليهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله عن العهد بين المعلم وتلميذه: [ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن تُوالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتُعاون على البر والتقوى ولا تُعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على باطل لم تنصر
(1) - ج 38 ص 16
(2) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 7 ـ 8