الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى، الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا] [1] .
وقد ذكرت كلامَه هذا من قبل في (مشروعية العهد) ، فراجعه هناك.
وهنا فائدة لطيفة: وهي أن جواب شيخ الإسلام عن جواز العهد وحرمة الانتقال من معلم إلى غيره بلا سبب، هو متعلق بالتدريب العسكري، حيث أن السؤال كان عن معلم الرماية وتلميذه، وَرَدَ في السؤال [وإذا عَلَّمَ رجل رجلا الرمي أو الطعن وغيرها من آلات الحرب والجهاد في سبيل الله تعالى وجحد تعليمه، وانتقل إلى غبره وانتمى إليه، هل يأثم بذلك أم لا؟[2] . فأجاب رحمه الله بما سبق مُبَيِّنا ما يجوز ومالا يجوز.
وأورد شيخ الإسلام رحمه الله في أكثر من موضع ما يدل على جواز العهود بين الناس على الطاعات، وبَيَّن ما يجوز من الشروط في هذه العهود. وقد ذكرتُ كلامَه في هذا الشأن في مسألة (فائدة العهد والغرض منه) ، خاصة قوله [والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء، كإيجابه الإيمان والتوحيد على كل أحد. وقد يوجبه، لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه، ولولا ذلك لم يوجبه، كالوفاء بالنذر للمستحبات، وبما التزمه في العقود المباحة: كالبيع والنكاح والطلاق، ونحو ذلك، إذ لم يكن واجبا. وقد يوجبه لأمرين، كمبايعة الرسول على السمع والطاعة له، وكذلك مبايعة أئمة المسلمين وكتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله] [3] .
فذكر رحمه الله أن [تعاقد الناس بما أمر الله به ورسوله] يجب عليهم القيام به لأمرين: لوجوبه بالشرع ابتداء ولوجوبه بالتعاقد والتعاهد عليه. فأي كلام أوضح من هذا.
وذكر في الشروط أن هذا الشرط ينطبق على (عقود المشايخ وعقود المتآخين) [4] .
سابعا: وما نقله مؤلف كتاب (البيعة) عن أبي نعيم في (الحلية) من رفض مطرف بن عبد الله لمثل هذا الكلام الذي عرضوه عليه، فهذا الكلام الذي كتبوه باطل وحَرِيٌّ به أن يُرفَض، فهو يشبه ما أنكره ابن تيمية رحمه الله من التناصر بحق أو باطل، فهم قالوا: (ومن كان معنا كنا وكنا، ومن خالفنا كانت يدنا عليه) هذا باطل، والصواب أن يقال: (ومن كان على الحق نصرناه، ومن خالف الحق كانت يدنا عليه) . فشرطهم كان مخالفا للكتاب والسنة فلا يجوز العهد عليه.
أما أن يريد المؤلف الاستدلال برفض مطرف لهذا العهد على بطلان مبدأ العهود بين الناس، فهذا لا يستقيم بعد ما ذكرته من أدلة في (مشروعية العهد) من كتابٍ وسنةٍ وسيرة الصحابة فكيف ينتهض فعل أحد التابعين ـ إن صح الاستدلال به ـ في وجه هذه الأدلة؟
(1) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 21
(2) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 7
(3) - (مجموع الفتاوى) ج 29 ص 345، 346
(4) - ج 35 ص 98 وقد سبق