فانظر ـ رحمك الله ـ إلى واقعهم، وإلى أحوال قلوبهم في قبول الحق والانقياد إليه وإلى رفضهم أي أمر ـ ولو كان ظاهره صدقا وحقا وعدلا ـ إذا لم يكن واردا ـ بكيفيته ـ في كتاب الله سبحانه، أو ثابتا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإذا كان مُفَرِّقا للأمة أي تفريق، ولو صَغُرَ!] أ هـ.
? ثم ختم المؤلف كتابه بنصيحة للدعاة قائلا في ص 41 [إن هذا البحث ـ على وجازته ـ يعد فرصة للدعاة لكي ينتبهوا بعد غفلة، ويستيقظوا بعد سبات، ولكي لا يقدموا على أي عمل أو قول إلا بعد علم، وبينة، ودراية، وتثبت.]
هذا مجمل ما كتبه الأستاذ علي بن حسن، ولقد أطال في غير طائل وأتى بغير الصواب، ولم يتثبت ولم يتبين كما أخذ على نفسه في أول كتابه ص5، وكما نصح غيره في آخر كتابه ص41.
والحق أن ما ذكرتُه في هذا الفصل من مسائل بَدءًا من مشروعية العهد إلى حكم ناكثه. فيه رد كاف على كلام مؤلف كتاب (البيعة بين السنة والبدعة) ، ومع ذاك سوف أجمل ما سبق في عدة أمور:
أولا: إن الإمارة على الجماعات الإسلامية التي قامت على التعاون على البر والتقوى هي إمارة شرعية صحيحة، كما سبق تفصيل هذا في الباب الثالث مع الرد على شبهة المؤلف حول الإمارة.
ثانيا: إذا ثبت شرعية هذه الإمارة، فيجب على كل من قبلها السمع والطاعة للأمير في غير معصية وإن لم يعاهده على هذا. إذ إن هذا يجب بالشرع ابتداء بدون عهد، وقد سبق بيان هذا في أول الفصل وذكرت هناك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في وجوب طاعة ولاة الأمور وإن لم يعادهم الإنسان أو يحلف لهم، فراجعه هناك [1] ، وذكرت كذلك ـ من قبل ـ قوله (أولي الأمر منكم) يدخل فيهم كل متبوع، قال (وكل من كان متبوعا فهو من أولي الأمر) [2] ، ويدخل في هذا أمراء الجماعات المشار إليها.
ثالثا: ذكرت في مسألة (فائدة العهد والغرض منه) وهي الثانية من هذا الفصل، أن العهد له فائدتان، الأولى: توكيد ما وجب بالشرع ابتداء وهي طاعة ولاة الأمور ومعاونتهم على الحق ومناصحتهم إلى غير ذلك مما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. والثانية: الالتزام بشروط أخرى لم يوجبها الشرع ابتداء وإنما تجب وفاءً بالعهد ما لم تخالف الكتاب والسنة. وذكرت هناك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الشأن نقلا عن مجموع الفتاوى ج29 ص341، 345 ومن المواضع التي نص شيخ الإسلام على أنها تجب على العبد للأمرين، قوله [وكتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله] [3] ، وهذه العبارة بالذات تنطبق تماما على الجماعات التي نتحدث عنها، فإذا قامت جماعة بغرض نصرة الدين، فيجب على كل مسلم معاونة هذه الجماعة، عاهدها أم لم يعادها، إذ إن هذا واجب بالشرع ابتداء لقوله
(1) - نقلا عن مجموع الفتاوى ج 35 ص 9 ـ 10
(2) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 170
(3) - (مجموع الفتاوى) ج 29 ص 346