فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 403

وهناك من يُكَفِّر من خرج على جماعتهم بتأويل لحديث ابن مسعود مرفوعا «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» [1] . والتأويل الفاسد، هو انهم جعلوا «التارك لدينه» وصفا «للمفارق للجماعة» ومع اعتبار أن جماعتهم هي جماعة المسلمين، فيكون المفارق لهم تاركا لدينه، والصواب هو أن «المفارق للجماعة» صفة «للتارك لدينه» وليس العكس، وذلك لأن من ارتد عن دينه فقد فارق الجماعة. بخروجه عن الآصرة التي تجمعه بالمسلمين وهي آصرة الإسلام والإيمان. وهذا هو ما ذكره ابن حجر في شرح حديث ابن مسعود «لا يحل دم امرئ .. » قال ابن حجر: [والمراد بالجماعة جماعة المسلمين، أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعا] [2] . قلت: ولذلك يمكن القول بأن كل من ترك دينه (المرتد) فهو المفارق للجماعة، وليس كل من فارق الجماعة فهو تارك لدينه (كالباغي) وقد وردت روايات أخر لنفس الحديث بدون ذكر لفظ الجماعة، مثل رواية الترمذي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - مرفوعا «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كَفَرَ بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» فهذه الرواية تبين أن المقصود في الرواية الأولى هو المرتد.

استدراك:

لا ينبغي أن يُفْهَم من كلامي السابق أن لفظ «الجماعة» إذا ورد في أي حديث فمعناه جماعة المسلمين التي في طاعة الخليفة. وليس الأمر كذلك، إذ إن «الجماعة» لفظ مشترك يطلق على معان متعددة، يعرف المراد منها بالقرائن من نفس النص أو من نصوص أخر، ولذلك فقد حملت معنى «الجماعة» في بعض الأحاديث على جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان للقرينة الموجودة وهي وجوب حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب فيهما. ولكن للجماعة معان أخر ليس ههنا موضع تفصيلها، ولكن لا بأس بالإشارة إلى معانيها على وجه الإجمال.

قال الراغب الأصفهاني: (جَمَعَ: الجَمْع ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال جَمَعْتُه فاجتمع ـ إلى أن قال ـ ويقال للمجموع جَمْعٌ وجَمِيعٌ وجَمَاعَة) [3] .

والجماعة ـ بهذا اللفظ ـ لم ترد في القرآن، وإنما وردت في الحديث بمعنيين:

الأول: المعنى اللغوي للكلمة، أي الاجتماع الذي هو ضد التفرق، ويطلق على اثنين فما فوقهما أو على ثلاثة فما فوقهما على خلاف بين الأصوليين والنحويين، ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة

(1) - متفق عليه

(2) - فتح الباري 12/ 201 و 202

(3) - المفردات للراغب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت