فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 403

أحيانا فيستحلون من مخالفهم ـ لارتداده عندهم ـ ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان» [1] .

والحق أن الخطأ لديهم جاء من حمل اللفظ المشترك على أحد معانيه دون قرينة مساعدة، فكلمة «جاهلية» قد تعني الكفر، كما في حديث حذيفة «إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَنَحْنُ فِيه» [2] ، فالجاهلية في حديث حذيفة معناها الكفر الذي كان قبل الإسلام، ونفس الكلمة قد تعني المعصية كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر «إنك امرؤ فيك جاهلية» [3] ، وأبو ذر هُوَ مَنْ هُوَ - رضي الله عنه -. ولابد من قرينة إما من نفس النص أو من خارجه تبين أن أي المعنيين أو المعاني هو المراد من الكلمة.

وفي حديث «من فارق الجماعة فمات مات مِيتة جاهلية» قلنا إن الجماعة هي التي طاعة السلطان، ونقول الجاهلية هنا هي المعصية وليس الكفر كما سبق في شرح ابن حجر له.

ولدينا دليل آخر: وهو أن البغاة خارجون طاعة الإمام، وقد سماهم الله مؤمنين فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ـ إلى قوله ـ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [4] ، فسماهم الله مؤمنين رغم البغي والقتال. فهم خرجوا على جماعة المسلمين ولم يكفروا.

ولدينا دليل ثالث: هو أن ابن عمر راوي حديث «من مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتة جاهلية» قد ذكر ابن حجر في شرح حديث بيعة ابن عمر لعبد الملك بن مروان قال: [وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن ابن علي واجتمع عليه الناس، وبايع يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى أن قُتِلَ ابن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ[5] ، قلت: وبالرغم من هذا الموقف من ابن عمر - رضي الله عنه -، إلا أن جمهور الصحابة والتابعين وأهل السنة قد ذهبوا إلى وجوب نصر المحق وقتال الباغي، مع عدم تخطئة أحد من الصحابة ممن تركوا قتال البغاة لكونهم مجتهدين في موقفهم هذا، وقد سبق بيان هذا في آخر الباب الثالث. إلا أن الشاهد من فعل ابن عمر ـ مع كونه راوي حديث «من مات وليس في عنقه بيعة» ـ أنه لو كانت الجاهلية هي الكفر لما وسعه أن يبايع أقربهما إلى الحق، مع أنه كان له تأويل في ترك البيعة وهو اختلاف الناس.

فهذا وغيره يدل على أن الجاهلية في حديث «من فارق الجماعة» هي المعصية وليس الكفر كما ذهبت إلى ذلك بعض الجماعات.

(1) - انظر مجموع الفتاوى 3/ 355

(2) - متفق عليه واللفظ لمسلم

(3) - رواه البخاري

(4) - سورة الحجرات، الآيتان: 9 ـ 10

(5) - فتح الباري ج 13 ص 195

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت