فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 403

جماعة المسلمين وهو السلطان كما سماه في الرواية الأولى. فالجماعة المرادة هي جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان. كما في حديث حذيفة «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» [1] .

ومن أوضح تلك النصوص في هذا الشأن حديث أبي هريرة مرفوعا «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية» [2] . قال الصنعاني: [عن الطاعة: أي طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه. وقال «وفارق الجماعة» أي خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم. أ هـ] [3] .

أردت من هذا التنبيه ألا تضع جماعة من الجماعات الإسلامية ـ كما يحدث بالفعل ـ هذا الحديث في غير موضعه فتصف من خرج عليها بأنه يموت ميتة جاهلية، يقولون لمن يتركهم بحق أو بباطل: أنت فارقت الجماعة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية» . فهذا وضع للنصوص في غير موضعها، والجماعة في هذا الحديث هي جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان الشرعي، كما سبق بيانه، وليست أي جماعة. صحيح إن ابن الأثير رحمه الله حمل معنى الجماعة على المعنى العام، فهو اعتبر اللام فيها للجنس، فيصح عندئذ حملها على أي جماعة، فقد قال رحمه الله: [ «من فارق الجماعة فميتته جاهلية» معناه كل جماعة عقدت عقدا يوافق الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يفارقهم في ذلك العقد، فإن خالفهم فيه استحق الوعيد، ومعنى قوله «فميتته جاهلية» أي يموت على ما مات عليه أهل الجاهلية من الضلال والجهل] [4] . وليس الأمر كما قال رحمه الله من أن هذا الوعيد الخاص يلزم كل من خرج على أي جماعة مجتمعة على طاعة من الطاعات، بل الصواب ـ إن شاء الله تعالى ـ هو ما حققته أعلاه من أن الجماعة في هذا الحديث هي جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان لا غير. وليس معنى هذا أن من نقض عهده لجماعة على الحق لا يلزمه شيء من الوعيد بل الصواب أنه يلزمه الذم والوعيد الوارد في عموم نقض العهود كما ذكرته في أول هذه المسألة.

والجماعات التي تنزل هذا الحديث على نفسها، منها من تأول من الحديث كلمة واحدة ومنها من تأول كلمتين.

فالذين تأولوا منه كلمة واحدة تأولوا كلمة «الجماعة» على أنها تعني أي جماعة وبالتالي جماعتهم، فمن خرج عليهم لزمه الوعيد المذكور، وقد سبق الرد على هذا.

والذين تأولوا كلمتين، تأولوا كلمة «الجماعة» كما سبق، وتأولوا كلمة «جاهلية» فقالوا معناها الكفر، ولذلك قالوا بتكفير كل من خرج على جماعتهم وباستحلال دمه، فهم يعتبرون أنفسهم جماعة المسلمين ومن خرج عليهم صار مرتدا، وقتال المرتد صار مقدم على قتال الكافر الأصلي، وهذا هو اعتقاد الخوارج الذين تعتقده بعض الجماعات

(1) - متفق عليه

(2) - رواه مسلم

(3) - (سبل السلام) ج 3 ص 1228 باب قتال أهل البغي.

(4) - (النهاية في غريب الحديث) ج 3 ص 439 ـ مادة (فرق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت