فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 403

الزجر والتنفير وظاهره غير مراد، ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه قوله في الحديث الآخر «من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه [1] .

فهذه بعض النصوص الواردة في إثم ناكث بيعة إمام المسلمين ومعنى «مات ميتة جاهلية» أي على معصية كما قال ابن حجر [وليس المراد أن يموت كافرا بل يموت عاصيا] . وذلك لأن «الجاهلية» لفظ مشترك يحتمل معان متعددة، فقد يعنى المعاصي، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر «إنك امرؤ فيك جاهلية» وأورد البخاري هذا الحديث في كتاب الإيمان من صحيحه في باب (المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك) . وقد يكون معنى الجاهلية كفر، كما في حديث حذيفة «إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَنَحْنُ فِيه» [2] . ولابد من وجود قرينة من نفس النص أو من خارجه تبين المعنى المراد من اللفظ المشترك، وليس هنا موضع تفصيل هذا:

تنبيه حديث ابن عباس السابق، ورد في رواية له «فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» وفي الرواية الأخرى «فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية» فكلمة «الجماعة» في الرواية الثانية معناها جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان، وليس المراد بها أي جماعة، والذي دعانا إلى هذا الفهم أمران:

الأول: وجوب حمل المطلق في الرواية الثانية «الجماعة» على المقيد في الرواية الأولى «السلطان» وذلك لاتحاد الحكم والسبب في الروايتين، فالجماعة المراد بها اجتماع الناس على السلطان، وهذا الذي يفهم من شرح ابن حجر للحديث كما سبق. ويؤيد هذا الفهم أحاديث عرفجة عند مسلم فيمن يخرج على إمام المسلمين، فوصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يشق عصا المسلمين، ويفرق جماعتهم، وهذا معناه أن الخروج على السلطان هو الخروج على جماعة المسلمين.

عن عرفجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» [3] . وأوضح من هذا الرواية التالية عن عرفجة أيضا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» [4] .

الثاني: اللام في «الجماعة» ، للعهد وليست للجنس، أي أن هذا الوعيد في الحديث في حق من خرج على جماعة معينة وليس أي جماعة، فما هي القرينة التي وردت بسياق الحديث والتي تُرَجِّح هذا؟ هي قوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» ، فإضافة الأمير إلى الضمير هي مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم عموم المسلمين معناه أن هذا هو أمير

(1) - أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ومصححا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري (فتح الباري) ج 13 ص 6 ـ 7

(2) - متفق عليه واللفظ لمسلم

(3) - رواه مسلم

(4) - رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت