سابعا: حكم ناكث العهد:
نكث العهد ـ أيا كان ـ هو كبيرة من كبائر الذنوب للوعيد الوارد في ذلك، ومنه:
1 = قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [1] .
2 = قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [2] ، فمن عاهد ولم يف فهو من الذين يقولون ما لا يفعلون.
3 = قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا، ومن كانت فيه خَصْلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» [3] .
وقال ابن رجب الحنبلي في شرح هذا الحديث: [والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يَرَح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» [4] . وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها عهد الإمام على من تابعه ورضي به. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وَفَى له وإلا لم يَفِ له» . ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل ومما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه] [5] .
والكلام السابق يشمل جميع العهود ومنها بيعة إمام المسلمين، إلا أن نقض هذه البيعة ورد فيه وعيد خاص لعظم خطره، كما قال ابن رجب في كلامه السابق [وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها عهد الإمام على من تابعه ورضي به] .
وقد أفرد الإمام البخاري رحمه الله عدة أبواب في صحيحه فيما يتعلق بالوفاء بالعهود وإثم الناكث والغادر، سأذكرها مجملة وأنصح الأخ القارئ بمراجعتها في الصحيح وشرحه فإنها عظيمة الفائدة.
أ - منها في كتاب الشهادات: (باب من أمر بإنجاز الوعد) [6] .
(1) - سورة الرعد، الآية: 25
(2) - سورة الصف، الآيتان: 2 ـ 3
(3) - متفق عليه عن عبد الله بن عمرو.
(4) - خَرَّجه البخاري
(5) - (جامع العلوم والحكم) ص 376 ـ 377
(6) - (فتح الباري) 5/ 289