حديث «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ» ، فالبيعة في هذا الحديث هي بيعة الإمام الأعظم ـ كما سبق بيانه ـ ولا يرتفع الحرج عن المسلمين إلا بنصب هذا الإمام والله تعالى أعلم.
الثامن: حكم الناكث: أي هل حكم من ينكث بيعة إمام المسلمين كحكم من لا يفي بعهده مع طائفة أو مع رجل من المسلمين؟
يأتي بيان ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
فائدة: وفيما يتعلق بما ذكرته أعلاه من أن هناك خلافة راشدة قادمة بإذن الله تعالى، أذكر ما قاله الشيخ الألباني في مقدمة كتاب (الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثت بالسيف بين يدي الساعة» ) [1] ، قال: ["المستقبل للإسلام"قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
1 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاتُ وَالْعُزَّى فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل - {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ» [2] .
وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره، بحيث لا يدع مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه، وها أنا أسوق ما تيسر من الأحاديث عسى أن تكون سببا لشحذ همم العاملين للإسلام وحجة على اليائسين المتواكلين:
2 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» [3] .
3 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» [4] . ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما يبشرنا به الحديث:
(1) - لابن رجب الحنبلي طبعة دار المرجان
(2) - رواه مسلم بسنده عن عائشة
(3) - الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان
(4) - رواه جماعة ذكرتهم في (حذير الساجد) ص 121