فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 403

والأحاديث التي ورد فيها ذكر البيعة، وردت إما مقيدة ببيعة الإمام وإما مطلقة دون ذكر الإمام، فالواجب حمل المطلق على المقيد خاصة إذا اتحد الحكم والسبب عند جمهور أهل العلم.

فمن الأحاديث التي وردت بها البيعة مقيدة بالإمام:

? قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول» [1] .

? وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا» [2] .

? وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» [3] .

أما الأحاديث التي ورد بها ذكر البيعة المطلقة، فأهمها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [4] ، والذي دعانا إلى القول بأن هذه البيعة هي بيعة إمام المسلمين، وإن وردت مطلقة، هو حديث ابن عباس مرفوعا: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [5] . والخروج من السلطان هو السعي في نقض بيعته [6] . فاتحد السبب في الحديثين (حديث ابن عمر وحديث ابن عباس) وهو الخروج من بيعة السلطان أو ترك مبايعته بعد اتفاق الناس عليه. واتحد الحكم في الحديثين وهو المِيتَة الجاهلية لفاعل هذا (سيأتي توضيح معناها) فوجب لذلك حمل المطلق (حديث ابن عمر) على المقيد (حديث ابن عباس) وأن البيعة المقصودة في حديث ابن عمر هي بيعة إمام المسلمين إن وجد، لأن حديث ابن عباس ذكر أن هذا حكم من خرج على السلطان فيقتضي هذا وجود سلطان قد خرج عليه.

قلت: ولذلك أورد ابن حجر حديث ابن عمر السابق في شرح حديث ابن عباس المشار إليه فليراجع الشرح [7] .

وقد أوردت توضيح هذا، لأن بعض الجماعات القائمة الآن تستخدم حديث ابن عمر هذا في دعوة الناس لمبايعة أميرهم، ويقولون للمدعو «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» يُرْهِبُونه بهذا الحديث أيضا. وليس الأمر كذلك كما فَصَّلتُه، فالبيعة في حديث ابن عمر هي بيعة إمام المسلمين ولا ينبغي حملها على غير هذا الوجه، فإن هذا تحريف للنصوص كفِعل اليهود، قال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [8] ، وقال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [9] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟» [10] .

فهل كلامي السابق، وهو أن البيعة في حديث ابن عمر هي بيعة الخليفة، معناه رفع الحرج عن المسلمين، إذ لا خليفة لهم الآن؟ أقول: لا، بل إن هذا الحديث ـ عندي ـ من أقوى الأدلة على وجوب سعي المسلمين في نصب خليفة لهم، وهذا لا يتأتى إلا بالجهاد غالبا، وبالتالي فأرى ـ والله أعلم بالحق ـ أن كل مسلم يموت الآن حيث لا خليفة للمسلمين هو آثم ويلحقه الذم الوارد في حديث ابن عمر «مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» ـ أي على معصية وليس على الكفر كما سيأتي بيانه ـ إلا أن يكون من الساعين في هذا الشأن وإن لم يدرك الغاية وهي قيام دولة الإسلام ونصب الخليفة، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [11] ، أو يكون عاجزا عن السعي في هذا الشأن لكنه صادق النية في طلبه، للحديث الذي سبق ذكره في أصحاب الأعذار، قال رسول الله في غَزَاةٍ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ شَرَكُوكُم فِي الأَجْرِ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» [12] ، وسبق شرحه في الباب الثاني.

ولا يُعترض على ما سبق بحديث «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها» [13] ، فقد بَيَّنت من قبل أن حديث الطائفة المنصورة يخصص عموم هذا الاعتزال، كما ذكرت في أواخر الباب الثالث. خاصة وقد دلت النصوص على أن هناك خلافة راشدة قادمة إن شاء الله تعالى، فيجب السعي من أجل ذلك. ومن هذه النصوص حديث أبي هريرة مرفوعا «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» [14] . وتواترت الأحاديث بظهور الخليفة المهدي وقيل إنه هو الإمام الذي يصلي عيسى - عليه السلام - خلفه [15] . ومنها أيضا حديث حذيفة بن اليمان مرفوعا «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ» الحديث سيأتي بتمامه قريبا، وهناك أحاديث دلت على أن المهدي يظهر عند موت خليفة [16] . فهناك إذا خلافة قبل ظهور المهدي. فهذه النصوص مع ما يدل عليه حديث ابن عمر «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ» يجعلنا نقول بوجوب السعي لإقامة الخلافة. مع العلم بأن بيعات الجماعات الإسلامية الآن لا ترفع هذا الحرج، حيث ذهب البعض إلى أنه إذا بايع أمير جماعة من الجماعات ارتفع عنه الحرج في

(1) - متفق عليه عن أبي هريرة

(2) - رواه مسلم عن أبي سعيد

(3) - رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو

(4) - رواه مسلم

(5) - رواه البخاري

(6) - فتح الباري ج 13 ص 7

(7) - فتح الباري ج 13 ص 6 ـ 7

(8) - سورة النساء، الآية: 46 وسورة المائدة، الآية: 13

(9) - سورة المائدة، الآية:41

(10) - متفق عليه عن أبي سعيد الخدري

(11) - سورة النساء، الآية: 100

(12) - رواه مسلم عن جابر

(13) - متفق عليه عن حذيفة

(14) - متفق عليه

(15) - (فتح الباري) ج 6 ص 494، وكتاب (الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة) للقنوجي ص 123 ـ 124 وكتاب (النهاية أو الفتن والملاحم) لابن كثير ج 1 ص 27

(16) - حديث أم سلمة رواه أحمد وأبو داود ـ انظر (الإذاعة ص 128 ـ والنهاية ج 1 ص 29)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت