وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، قد فصلتها من قبل، وهي أن الجهاد في سبيل الله يكاد أن يكون فرض عين على كل مسلم الآن، فهو واجب بالشرع ابتداء، فإذا وَجَدَ المسلم طائفة تجاهد في سبيل الله، فقد وجب عليه التزامها، فإن تعددت هذه الطوائف في بلد واحد فقد ذكرت من قبل أن الأَوْلَى بالالتزام هي أقدم الطوائف التي على الحق وإذا تعددت الطوائف بتعدد البلدان نظر إلى التي تواجه خطرا أشد ويغلب على الظن ظهورها فينصرونها.
الخامس: المدة: بيعة الإمام دائمة لا تنقطع إلا إذا مات الإمام أو طرأ عليه سبب يوجب العزل من نقص في الدين أو نقص في البدن [1] . أما بيعات الناس (عهودهم) فقد ذكرت من قبل أنها يمكن أن تؤقت بأجل فلهم الاختيار في قدر مدتها بخلاف بيعة الإمام.
السادس: التعدد: لا يصح أن تعقد الإمامة لإمامين للمسلمين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوا ببيعة الأول فالأول» [2] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» [3] . فلا يصح تعدد الأئمة ولا يصح أن يعطي المسلم بيعتين لإمامين.
أما بيعات الناس (عهودهم) فيجوز فيها التعدد إذا احتمل المُبَايَع عليه التعدد، فيجوز للفرد أن يعاهد طائفة على حفظ القرآن، ويجوز لنفس الفرد أن يعاهد طائفة أخرى على حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل يجوز له أن يعاهد أكثر من طائفة على حفظ الحديث إذا كانت طائفة منها ستحفظ من البخاري والأخرى من مسلم وهكذا طالما كان في قدرته الوفاء بكل هذا. أم ما لا يحتمل التعدد وهو الجهاد كما ذكرت من قبل فلا يصح أن يعاهد أكثر من طائفة ولا يصح أن تتعدد الطوائف العاملة في الجهاد، لأن الجهاد لا يقوم إلا بالشوكة التي ثمرة الاجتماع والموالاة {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ} والتعدد ينافي الموالاة بل يؤدي إلى ذَهَاب الشوكة {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} ، كما يؤدي التعدد إلى أضرار كل طائفة بأخرى لتعارض الخطط وانعدام التنسيق، فقد تقوم طائفة بعمل عسكري يؤدي إلى أن يوجه العدو ضربة لطائفة أخرى غير مهيأة للمواجهة، والقاعدة الشرعية أن (الضرر يزال) ، كل هذا من سيئات التعدد.
هذا وقد ذكرت علاج هذه الآفة في نهاية الباب الثالث من هذه الرسالة.
السابع: أحاديث البيعة: الأحاديث التي ورد فيها ذكر البيعة يجب أن تحمل جميعها ـ باستثناء ما وقع من بيعات بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ـ على بيعة إمام المسلمين (الخليفة أو أمير المؤمنين أو السلطان) ، وقد ثبت هذا لدينا بالاستقراء فيما أطلعنا، ولا يصح حمل هذه الأحاديث بحال من الأحوال على عهود الجماعات وإن سموا عهودهم بيعات، وهذا جائز كما ذكرت من قبل.
(1) - انظر مسببات العزل بالأحكام السلطانية للماوردي ص 17 ـ 20
(2) - متفق عليه عن أبي هريرة
(3) - رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري