فهذه أمثلة تبين أن العهود يجوز أن تؤقت بعمل معين أو بأجل معين.
رابعا: هل تجب كتابة العهود أو الإشهاد عليها؟
الأصل في كتابة العقود والإشهاد عليها هو الندب والجواز لا الوجوب، إلا ما دلت النصوص على أن الإشهاد من شروط صحته كعقد النكاح مثلا. ولا يتسع المقام لتفصيل أدلة ذلك، ولهذا سنعرج على مسألتنا الأصلية وهي عهود الطاعات بين المسلمين، فنقول هي صحيحة بدون كتابة وبدون إشهاد، ويجوز الكتابة والإشهاد.
ودليل هذا: ما ذكرنا من أدلة في (مشروعية العهود) فلم يكن فيها كتابة ولا إشهاد
1 = مثل العهد بين يعقوب - عليه السلام - وبنيه.
2 = والعهد بين موسى والخضر عليهما السلام، وقد أخرجه البخاري رحمه الله في كتاب الشروط (باب الشروط مع الناس بالقول) وقال ابن حجر في شرح الحديث [وأشار بالشرط إلى قوله {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي} والتزام موسى بذلك ولم يكتبا ذلك ولم يُشهِدا أحدا. أ هـ] [1] .
3 = والعهد بين موسى والرجل الصالح بِمَدْين، قال تعالى: {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [2] ، قال القرطبي: [ {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} قيل هو من قول موسى، وقيل هو من قول والد المرأة. فاكتفى الصالحان صلوات الله عليهما في الإشهاد عليهما بالله ولم يشهدا أحدا من الخلق. أ هـ] فلئن صح هذا في شرع من قبلنا فقد جاء شرعنا بخلافه.
4 = والعهد بين أبي ذر وعلي رضي الله عنهما لم يكتباه ولم يشهدا عليه ... وهكذا.
فائدة: تغليظ العهود والمواثيق:
يجوز تغليظ العهود والمواثيق بين المسلمين بما تُغَلَّظ به أيمان الشهود في القضاء وليس بواجب، ويكون التغليظ باللفظ أو بالزمان أو بالمكان، بأحدهما أو ببعضها أو بها كلها.
والأصل في التغليظ قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [3] .
1 = فالتغليظ باللفظ يكون بأن يقسم بمزيد من أسماء الرب تعالى وصفاته مثل (والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) رُوِيَ هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(1) - فتح الباري ج 5 ص 326
(2) - القصص، الآية: 27 ـ 28
(3) - المائدة، الآية: 106