وفي شروط العهود يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [وفي السنن عنه قال"المسلمون عند شروطهم: إلا شرطا أحل حراما ما أو حرم حلالا"وكل ما كان من الشروط التي بين القبائل والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق علماء المسلمين] [1] .
وقال رحمه الله في موضع آخر: [وبالجملة فجميع ما يقع بين الناس من الشروط والعقود والمحالفات في الأخوة وغيرها تُرَد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فكل شرط يوافق الكتاب والسنة يوفى به، و «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب أحق، وشرطه أوثق» فمتى كان الشرط يخالف شرط الله ورسوله كان باطلا. وكذا في شروط البيوع، والهبات، والوقوف، والوقوف، والنذور، وعقود البيعة للأئمة، وعقود المشايخ، وعقود المتآخيين، وعقود أهل الأنساب والقبائل، وأمثال ذلك] [2] .
قلت: وفيما قاله شيخ الإسلام كلام مشكل، وهو ما ورد في حديث عائشة مرفوعا «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل» فهذا معناه أنه إذا اشترط الأمير على الأعضاء عدم مغادرة المعسكر إلا مرة واحدة كل شهرين فهذا باطل لأنه ليس في كتاب الله. وليس المعنى كذلك فليس المراد أن يرد الشرط بعينه في الكتاب والسنة بل المراد ألا يخالف الشرط الكتاب والسنة. وقد بين شيخ الإسلام هذا دفعا للإيهام في كلامه السابق، فقال: [فمتى كان الشرط يخالف شرط الله ورسوله كان باطلا] وبينه في موضع آخر فقال رحمه الله: [فإن القاعدة أيضا: أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه. وقد قيل: بل الأصل فيها عدم الصحة، إلا ما دل الدليل على صحته: لحديث عائشة. والأول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد دَلاَّ على الوفاء بالعقود والعهود، وذم الغدر والنكث، ولكن إذا لم يكن المشروط مخالفا لكتاب الله وشرطه، فإذا كان المشروط مخالفا لكتاب الله وشرطه كان الشرط باطلا. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب أحق، وشرطه أوثق» . فإن قوله: «من اشترط شرطا» أي مشروطا، وقوله: «ليس في كتاب الله» أي ليس المشروط في كتاب الله، فليس هو مما أباحه الله ـ إلى أن قال ـ وأما إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص الله على حِلِّه، بل سكت عنه. فليس هو مناقضا لكتاب الله وشرطه. حتى يقال: «كتاب أحق، وشرطه أوثق» فقوله: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله» أي مخالفا لكتاب الله] [3] .
الخلاصة:
أن العهود جائزة بين المسلمين، وهي تؤكد ما وجب بالشرع ابتداء أو توجب أمورًا لم تجب بالشرع ابتداء مادامت لا تخالف الشرع.
(1) - مجموع الفتاوى ج 11 ص 89 ـ 90
(2) - مجموع الفتاوى ج 35 ص 97 ـ 98
(3) - مجموع الفتاوى ج 29 ص 346 ـ 347