فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 403

نفسك أن تبيع هذه السلعة لشخص معين في وقت معين بثمن معين صار كل هذا واجبا عليك بالعهد الذي قطعته على نفسك لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [1] ، فمثل هذا البيع لم يجب بالشرع ابتداء وإنما وجب بالعهد إذ إن الله أمر بالوفاء بالعهد، ولولا العهد لما وجب عليك هذا البيع، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [2] .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان ما يجب بالشرع ابتداء وما يجب بالعهد [والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء، كإيجابه الإيمان والتوحيد على كل أحد. وقد يوجبه لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه، ولولا ذلك لم يوجبه، كالوفاء بالنذر للمستحبات. وبما التزمه في العقود المباحة: كالبيع والنكاح والطلاق ونحو ذلك. وإذا لم يكن واجبا. وقد يوجبه لأمرين. كمبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له، وكذلك مبايعة أئمة المسلمين كتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله[3] .

وقال رحمه الله في موضع آخر مبينا نفس المسألة: [وأصل العقود أن العبد لا يلزمه شيء إلا بالتزامه، أو بإلزام الشارع له، فما التزمه فهو ما عاهد عليه، فلا ينقض العهد، ولا يغدر. وما أمره الشارع به فهو مما أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه، كما أوجب عليه أن يَصِلَ ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان بالكتب والرسل، ومن صلة الأرحام، ولهذا يذكر الله في كتابه هذا وهذا، كقوله: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [4] . فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من الله به، وما عاهد عليه الإنسان فقد التزمه فعليه أن يوفي بعهد الله، ولا ينقض الميثاق، إذا لم يكن ذلك مخالفا لكتاب الله] [5] .

وبناء على ما سبق يمكن أن يشتمل العهد بين الأمير والأعضاء على أمور واجبة بالشرع ابتداء لتوكيدها كالجهاد وطاعة الأمير وحفظ الأسرار وأداء الأمانات والنصح للمسلمين، وأمور لم تجب بالشرع ابتداء ليلتزمها الأعضاء بالعهد مثل أن يشترط الأمير عليهم عملا معينا أو عدم مغادرة المعسكر إلا في مدد معدودة أو تحديد مواعيد للنوم واليقظة والطعام والتدريبات ونحو ذلك من الشروط ما لم تكن معصية.

وهذه الشروط التي تشترط في العهد تشكل أساس اللائحة الداخلية للمعسكر ونظامه، منها شروط واجبة بالشرع يؤكدها العهد ومنها شروط غير واجبة بالشرع ابتداء يوجبها العهد.

(1) - الإسراء، الآية 24

(2) - المائدة، الآية: 1

(3) - مجموع الفتاوى ج 29 ص 345 ـ 346

(4) - الرعد، الآية: 20 ـ 21

(5) - مجموع الفتاوى ج 29 ص 341 ـ 342

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت