قلت: ومثال هذا، حديث مبايعة الصحابي جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - للنبي صلى الله عليه وسلم، قال جرير: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم قلت: أبايعك على الإسلام، فَشَرَطَ عَلَيَّ «والنصح لكل مسلم» ، فبايعته على هذا [1] ، وفي لفظ آخر قال جرير: [بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم] [2] .
فأصل المبايعة على الإسلام وهو يشتمل على الصلاة والزكاة لحديث «بني الإسلام على خمس» وكذلك النصيحة من الإسلام لحديث «الدين النصيحة» ، فإذا ذُكِرَت النصيحة مثلا كشرط مستقل في ا لمبايعة، فهذا يزيد وجوب النصيحة توكيدا، إذ إنها في هذا الحال تجب لأمرين أولهما: لأنها من واجبات الإسلام المبايَع عليه، ثانيهما: للمبايعة عليها كشرط مستقل في عقد المبايعة. فهي واجبة بالشرع وواجبة بالعهد عليها.
وفي الحكمة من اشتراط هذه الشروط في مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المسلمين مع كونها من واجبات الدين وإن لم تُشْتَرط قال ابن حجر: [والمراد بالبيعة المبايعة على الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة لأنها رأس العبادات المالية، ثم يُعَلِّم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس، فبايع جريرا على النصيحة لأنه كان سيد قومه فأرشده إلى تعليمهم بأمْرِه بالنصيحة لهم، وبايع وفد عبد قيس على أداء الخمس لكونهم كانوا أهل محاربة مع من يليهم من كفار مضر] [3] .
وقال القرطبي: [كانت مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه: من تجديد عهد أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم] [4] .
هذا في بيان أن العهد أو البيعة على الطاعة الواجبة بأصل الشرع، يزيد وجوب هذه الطاعة توكيدا، وهذا هو الغرض الأول من العهد.
والغرض الثاني: التزام العبد ما أوجبه على نفسه مما لم يوجبه الشرع ابتداء:
مثال ذلك النذر لم يوجبه الشرع ابتداء، ولكن إذا أوجبه العبد على نفسه بأن نذر لله تعالى إن حدث له كذا، فعل كذا، صار واجبا عليه الوفاء بهذا النذر، لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالنذر، {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [5] ، وإن لم يوجب الله النذر على الناس ابتداء.
مثال آخر: البيع من المباحات، فإذا كانت عندك سلعة معينة، لم يأمرك الشرع ببيعها وإذا أردت بيعها لم يأمرك ببيعها لشخص معين، وإذا لم بعتها لشخص معين لم يأمرك بثمن معين أو بالبيع في وقت معين. ولكن إذا تعهدت على
(1) - رواه البخاري 58
(2) - رواه البخاري 57
(3) - فتح الباري ج 2 ص 7
(4) - (فتح الباري) ج 1 ص 139
(5) - الإنساء، الآية: 7