فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 403

في الروايتين الأخريين ـ عند الطبري ـ الدالتين على أن الرواية الأولى، رواية البخاري، فيها اختصار ـ إلى أن قال أحمد شاكر ـ ويكون معنى حديث ابن عباس، بما يجتمع من رواياته: أن قوله {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} يعني نصيبه من الميراث، فجاءت آية الأحزاب: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} فذهب الميراث، وبقي أن يفعلوا لهم المعروف، من الوصية، ومن النصر والرفادة والنصيحة وذلك هو المعروف الذي بقي بعد ذهاب الميراث] [1] .

والخلاصة: من كل ما سبق، أنه لا تعارض بين حديث «لا حِلْف في الإسلام» وحديث أنس «قد حَالَفَ النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار» ، فالمَنْفِي هو حلف التوارث والمحالفة على ما يمنعه الشرع، والمُثْبَت هو المحالفة على القيام بواجبات الدين، وهذا هو الجمع بين الحديثين الذي اختاره النووي وابن حجر وابن الأثير. ولما كان قوله صلى الله عليه وسلم «لا حِلْف» نكرة في سياق النفي، وهي صيغة عموم، فنقول إن حديث أنس مخصص لهذا العموم. والله أعلم.

وهذا كله في بيان مشروعية العهود بين المسلمين على الطاعات.

ثانيا: فائدة هذا الغرض منه

العهد الذي يعطيه الإنسان على نفسه لا يخلو غرضه من أن يكون أحد أمرين أو كليهما:

الأول: توكيد ما ثبت وجوبه بالشرع ابتداء:

ففي المثال الذي بين أيدينا وهو معسكر التدريب، قد أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد في سبيل الله وطاعة ولاة الأمور وحفظ الأسرار وأداء الأمانات والنصح للمسلمين والإحسان إليهم، فهذه الأمور واجبة بالشرع أصلا سواء تعهد الإنسان بالتزامها أم لم يتعهد، فإذا تعهد بالتزامها وأقسم على هذا، فإن هذه الأمور تصير واجبة من وجهين أولاهما: وجوبها بالشرع ابتداء، وثانيهما: العهد والقسم على التزامها. فتكون فائدة العهد في هذه الأمور هو توكيد ما وجب بالشرع ابتداء.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [وما أمر الله به ورسوله من طاعات ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الإيمان المؤكدة، كما يجب عليه الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وحج البيت، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك كان توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم. فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه، سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف بها المسلمون، فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه؟! وما نهى الله ورسوله عن معصيتهم وغشهم محرم وإن لم يحلف على ذلك] [2] .

(1) - (عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير) ج 3 ص 163

(2) - مجموع الفتاوى ج 35 ص 9 ـ 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت