فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 403

وأنقل لك فيما يلي أقوال السادة العلماء فيما يتعلق بما ذكرته من قبل، ومن أحسن ما قيل في هذه المسألة ما جمعه ابن حجر فيها. فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: ورثة ـ {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرثوا المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت. ثم قال {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له] [1] . قال ابن حجر[قوله {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} (كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه الأخوة) هكذا حملها ابن عباس على من آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وحملها غيره على أعم من ذلك فأسند الطبري عنه قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك. ومن طريق سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعقد أبو بكر مولى فورثه. قوله: (فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت) هكذا وقع في هذه الرواية أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: [كان الرجل يعاقد الرجل، فإذا مات ورثه الآخر، فأنزل الله - عز وجل - {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} يقول إلا أن توصوا لأوليائكم الذين عاقدتم. ومن طريق قتادة كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول دمي دمك وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أُمِروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نُسِخَ بالميراث فقال: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ، ومن طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمد.

ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين: الأولى حيث كان المعاقِد يرث وحده دون العصبة فنزلت {وَلِكُلٍّ} وهي آية الباب فصاروا جميعا يرثون، وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس، ثم نَسَخَ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما، وعلى هذا يتنزل بقية الآثار. وقد تعرض له ابن عباس في حديثه أيضا لكن لم يذكر الناسخ الثاني. ولابد منه والله أعلم.

قوله: [ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له] كذا وقع فيه، وسقط منه شيء بينه الطبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد ولفظه: ثم قال {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر إلخ [2] .

وقد استحسن الشيخ أحمد شاكر كلام ابن حجر هذا وهو أن نسخ ميراث الحليف وقع مرتين، قال: [وهذا تحقيق جيد رفيع من الحافظ ابن حجر، والناسخ الثاني ـ أي {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ـ ذكره ابن عباس أيضا

(1) - حديث 4580 بكتاب التفسير

(2) - (فتح الباري) ج 8 ص 247 ـ 249

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت