فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 403

= ولأن النسخ لا يصار إليه اجتهادا، إلا مع استحالة الجمع بين النصين المتعارضين، والجمع هنا ممكن ومُتَّجِه، كما قال ابن الأثير، وستأتي أقوال النووي وابن حجر إن شاء الله.

= ويكفيك في إنكار دعوى النسخ، إنكار أنس على عاصم الأحول ما فهمه من النهي عن الحلف وهذا نص واضح صريح من الصحابي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع التشريع يثبت فيه الحلف والمحالفة، وأكد أنس قوله بأن المحالفة وقعت مرتين أو ثلاثا، كما في رواية أبي داود.

يفهم من هذا أن الحِلف المنهي عنه شيء، وأن الحِلف الذي أثبته شيء آخر، لأن أنس لم يقل لعاصم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُحَدِّث بهذا الحديث، وإنما ذكر له نوع المحالفة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. فالمحالفة منها ما نهى عنه ومنها ما أبيح، وصفة كل نوع منهما هي كما ذكر ابن الأثير من قبل، وكما سيأتي في كلام النووي وابن حجر إن شاء الله. وسيأتي كذلك حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [1] . وسترى أن احتمال النسخ لم يشر إليه لا النووي ولا ابن حجر.

2 = وقال ابن حجر: [تضمن جواب أنس إنكار صدر الحديث لأن فيه نفي الحلف وفيما قاله هو إثباته، ويمكن الجمع بأن المنفي ما كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولو كان ظالما ومن أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها ومن التوارث ونحو ذلك، والمُثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم والقيام في أمر الدين ونحو ذلك من المستحبات الشرعية كالمصادقة والمواددة وحفظ العهد، وقد تقدم حديث ابن عباس في نسخ التوارث بين المتعاقدين وذكر الداودي أنهم كانوا يورثون الحليف السدس دائما فنسخ ذلك ـ إلى أن قال ـ قال النووي المنفي حلف التوارث وما يمنع منه الشرع، وأما التحالف على شرع الله ونصر المظلوم والمؤاخاة في الله تعالى فهو أمر مرغب فيه] [2] .

3 = وقال النووي: [قال القاضي: قال الطبري: لا يجوز الحلف اليوم فإن المذكور في الحديث والموارثة به والمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} وقال الحسن: كان التوارث بالحلف فنُسخ بآية المواريث قلت أما ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فهذا باق لم ينسخ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لا حِلْف في الإسلام» فالمراد به حلف التوارث والحلف على ما منع الشرع منه والله أعلم[3] .

قلت: فهذه أقوال ابن حجر والنووي في الجمع بين الحديثين، تبين أن المنفي هو حلف التوارث وما يمنع منه الشرع (وهو حديث جبير بن مطعم) وأن المثبت وهو حديث أنس وهو المحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين

(1) - النساء، الآية:33

(2) - (فتح الباري) ج 10 ص 502

(3) - (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 16 ص 81، 82

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت