قال الراغب: [الحِلْف: العهد بين القوم، والمحالفة المعاهدة، وجُعِلت للمُلازَمَة التي تكون بمعاهدة. وقال: والحلف: أصله اليمين الذي يأخذ بعضهم من بعض بها العهد ثم عُبِّر به عن كل يمين] [1] .
أما الأحاديث التي ورد فيها الحلف، فهي حديث جُبَيِر في نفي الحِلف وحديث أنس في إثباته:
1 = عن جُبَيِر بن مُطْعِم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حِلْف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» [2] .
2 = عن عاصم الأحول قال قلت لأنس أبَلَغَك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حلف في الإسلام» ؟ فقال أنس بن مالك: (قد حَالَفَ النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري) [3] .
الجمع بين الأحاديث، حيث أن ظاهرها التعارض:
1 = قال ابن الأثير:[مادة (حلف) فيه «أنه عليه السلام حالف بين قريش والأنصار» وفي حديث آخر «قال آنس - رضي الله عنه: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين» أي آخى بينهم وعاهد.
? وفي حديث آخر «لا حِلْف في الإسلام» أصل الحِلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم «لا حِلْف في الإسلام» وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيَّبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام.
وقيل المحالفة كانت قبل الفتح.
وقوله: «لا حِلْف في الإسلام» قاله زمن الفتح، فكان ناسخا [4] .
قلت: ذكر ابن الأثير كيفية الجمع بين الحديثين قال (وبذلك يجتمع الحديثان) ، ثم ذكر احتمال النسخ بصيغة تضعيف فقال: [وقيل المحالفة كانت قبل الفتح ـ إلى قوله ـ فكان ناسخا] وحَقٌ للنسخ أن يُنْكَر لا أن يُضَعَّف، لما يلي:
= لأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، فالنسخ معناه تعطيل أحد النصين المتعارضين ومنع العمل به، وتعطيل دليل شرعي لا يكون بالاحتمال خاصةً مع عدم الجزم بمعرفة التاريخ.
(1) - (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني ـ مادة حلف
(2) - رواه مسلم في كتاب الفضائل باب (مؤاخاة النبي (( بين أصحابه رضي الله عنهم)
(3) - متفق عليه، ووقع لمسلم من ثلاث طرق: طريق شيخ البخاري محمد بن الصبَّاح ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة ومن طريق محمد بن عبد الله بن نُمَير. ورواه مسلم في نفس الباب السابق، وبن عيينة عن عاصم قال (سمعت أنس بن مالك يقول حالف ... ) فذكره بلفظ المهاجرين بدل قريش، فقيل له: أليس قال لاحلف في الإسلام؟ قال قد حَالَفَ فذكر مثله، وزاد مرتين او ثلاثا. [فتح الباري ج 10 ص 501 ـ 502] .
(4) - (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير ج 1 ص 424، 425