فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 403

فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم جميعا] [1] .

وقال ابن كثير: [قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ـ جيش المسلمين باليرموك ـ ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر] [2] .

فهذه بيعة بين رجل ليس هو أمير الجيش وبين طائفة من الجند على طاعة من الطاعات، وهو عكرمة الصحابي الجليل وكان فيمن بايعه صحابة أجلاء، وحدث هذا أمام خالد أمير الجند، وكما نقل ابن كثير فقد حضر الواقعة ألف صحابي، ولم يُنقل إنكار أحد منهم على عكرمة فعله هذا، فحدوث مثل هذه البيعة بمحضر من هذا الجمع دليل على إقرارهم لذلك.

2 = وفي صِفِّين، في الحرب بين عَلِيّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، كان على مقدمة جيش علي (أهل العراق) قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن زيد عن الزهري قال: جعل عَلِيُّ عَلَى مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت [3] .

وما قيل في بيعة عكرمة يقال في بيعة قيس رضي الله عنهما وكلاهما لم يكن الأمير العام للجند ولا خليفة المسلمين، بل أمير طائفة من الجند.

أردت من كل ما سبق بيان أن العهود والمواثيق، وقد تسمى بيعة، بين المسلمين جائزة على فعل الطاعات، وذكرت ما وقع بين نبي الله يعقوب - عليه السلام - وأبناءه، وبين ما وقع بين موسى والخضر وذكرت ما وقع بين الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من العهود، وما وقع بينهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بلا إنكار من أحد مما يجعلنا ندرج هذا في قائمة إجماع الصحابة، كالميثاق الذي أخذه عبد الرحمن بن عوف عَلَى عثمان وعَلِيّ، وكبيعة عكرمة وقيس بن سعد رضي الله عنهم. ونقلت كذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من مشروعية العهود بين المعلمين وتلاميذهم ووجوب الوفاء بها مادامت على فعل الطاعات وذكر رحمه الله صيغة للعهد على سبيل المثال.

وهذا كله في بيان مشروعية هذه العهود.

تنبيه: قد يقول قائل: إن كلامك السابق في مشروعية العهود بين المسلمين على فعل الطاعات مُعْتَرَض بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا حلف في الإسلام) ؟.

الجواب: لا تعارض إن شاء الله بينهما، بل إن حديث (لا حلف في الإسلام) هو في ذاته حجة قوية لما ذكرته من مشروعية العهود بين المسلمين على الطاعات.

(1) - البداية والنهاية ج 7 ص 11 - 12

(2) - البداية والنهاية ج 7 ص 9

(3) - فتح الباري ج 13 ص 63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت