فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 403

قال ابن حجر: [وأشار بالشرط إلى قوله: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} والتزام موسى بذلك، ولم يَكتبا ذلك ولم يُشهِدا أحدا، وفيه دلالة على العمل بمقتضى ما دل عليه الشرط، فإن الخضر قال لموسى لما أخلف الشرط {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} ولم ينكر موسى - عليه السلام - ذلك] [1] .

فهذه الأدلة السابقة تُبَيِّن جواز العهود والمواثيق والشروط بين الناس على فعل الطاعات، وأَزِيدُ هذا بيانًا ببعض ما يؤثر عن الصحابة والسلف الصالح في العهود والمواثيق:

1 = منها ما رواه البخاري في كتاب المناقب (باب إسلام أبي ذر الغفاري) عن ابن عباس: أن أبا ذر لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قَدِم مكة، فرآه عَلِيٌّ فعرف أنه غريب فقال له عَلِيٌّ: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت. فعل، فأخبره أبو ذر، قال عَلِيٌّ: فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] .

2 = ومنها ما رواه البخاري أيضا في كتاب فضائل الصحابة (باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان) ، وفيه جَعْلُ عمر - رضي الله عنه - الخلافة بعده في أصحاب الشورى الستة، فتنازل ثلاثة وبقي عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعَلِيّ، قال عمرو بن ميمون راوي الحديث (فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ والله عَلَيَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقِدَم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أَمَّرتُك لتعدلن، وإن أمَّرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه فبايع له عَلِيٌّ، وولج أهل الدار فبايعوه) [3] .

والشاهد مما سبق إقرار الصحابة وتعاملهم فيما بينه بالعهود والمواثيق، ففي قصة أبي ذر عهد وميثاق بينه وبين عَلِيّ، وفي قصة بيعة عثمان عهد وميثاق أخذه عبد الرحمن بن عوف عَلَى عثمان وعَلِيّ رضي الله عنهم أجمعين.

وقد أطلق نفر من الصحابة لفظ البيعة على هذه العهود والمواثيق، فمن ذلك:

1 = ما صنعه عِكْرمة بن أبي جهل يوم اليرموك. قال ابن كثير: [وقال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغَسَّاني عن أبيه. قال: قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايع عَمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قُدَّام فسطاط خالد حتى أُثبتوا جميعا جراحا، وقُتِل منهم خَلْقٌ منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم. وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه،

(1) - فتح الباري ج 5 ص 326

(2) - حديث 3861

(3) - حديث 3700

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت