والذي ينفق من القليل مؤهل بأن ينفق من الكثير أيضًا، والذي يبخل بالكثير سوف يبخل بالقليل حتمًا.
كفر بالنعمة واستكبار في الأرض:
إن الذي يستعلي على الناس بما آتاه الله ويفتخر بما لديه من متاع الدنيا يظن بأن الله تعالى قد خصه من دون العباد، وبأن ملكه باق إلى قيام الساعة، وهذا ما يقوله صاحبنا لصاحبه {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا , وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن حب الدنيا قد أعمى بصيرته، ولم يعد يميز بين الحقيقة والخيال، ولا بين الواقع والمثال.
والكثير من الناس يقولونها بواقع الحال وليس بواقع اللسان، حيث تراهم يعقدون كل آمالهم على ثرواتهم وجاههم ونفوذهم، ويظنون بأن هذا هو السند الحقيقي لهم في هذه الحياة الدنيا، بل إنهم يعتقدون بأن هذا السند باق لن يزول ما داموا أحياء يرزقون.
والخطير في الأمر أن هذا الاعتقاد يجعلهم يتملصون من واجباتهم، فلا ينفقون إلا قليلًا، ولا يقومون إلى عباداتهم إلا وهم كارهون.
فأمثال هؤلاء لا يمكن أن يجاهدوا بأوقاتهم وأموالهم فضلًا عن أنفسهم {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} ، فالذي يريد الجهاد لابد أن يعود نفسه على النفقة بالوقت والمال [1] .
(1) أنظر مقالنا:"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة"ومقال:"وقفات تربوية مع بيعة العقبة الثانية"