للمؤمنين للنجاة بدينهم والحفاظ على عقيدتهم، خوفًا من الفتنة والعودة إلى الكفر بعدما خرجوا منه.
وتكون الهجرة أولًا بالانتماء إلى التجمع الإيماني، والسعي إلى تقويض النظام الجاهلي لا المصالحة معه، وذلك بالعمل المتواصل الدءوب والمنظم داخل المجتمع المراد تغييره، حتى إذا أُغلقت الأبواب وسُدَّت كل الطرق في وجه التجمع الإيماني، فإنه حينئذ وحينئذ فقط، يلجأ إلى الهجرة، وهو الانتقال إلى مكان آمن يستطيع أن يواصل فيه إعداده لعملية التغيير داخل مجتمعه، والهجرة لا يقوم بها التجمع كله بل قد يقوم بها البعض فقط كما حصل في هجرة الحبشة وقد تكون كلية كما حصل في الهجرة الثانية إلى المدينة.
لقد هاجر فتية الكهف مجتمعهم بعدما أحسوا بعدم القدرة على مواجهة قومهم، حيث كان هناك عدم تكافئ واضح في موازين القوة، فقد كانوا أفرادًا معدودين لا يمكنهم مواجهة نظام قائم بعدته وعتاده. كما أن الله تعالى لم يكتب عليهم هذه المواجهة لحكمة يعلمها سبحانه. قد يكون من بينها تحقيق معجزات وكرامات لهؤلاء الفتية ما كانت لتتحقق لو أنهم دخلوا في مواجهة مباشرة مع قومهم.
كما أود أم أنبه على حقيقة مهمة في مفهوم النصر، ذلك أن الغلبة والتمكين يكون للمبادئ والقيم، أما انتصار الأشخاص فلا يكون هو الصورة الوحيدة للنصر، ذلك ليعلم المؤمنون أن ذهاب الأرواح في سبيل الله، وفي سبيل نصرة العقيدة هو قمة الانتصار والتمكين وليس العكس.
إن المفاصلة ضرورة حتمية يحتاجها أصحاب الحق، لكي يتمكنوا من إعداد العدة في أجواء مناسبة، بعيدًا عن أعين الأعداء. كما أن المفاصلة وسيلة فعالة لأصحاب الحق للتميز و من ثم استقطاب أعضاء جدد لدعوتهم.