فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 63

ثُمَّ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ . وَرُوِيَ فِي الصَّحِيحِ: { فَإِنَّ فِيهِ الْفَضْلَ } . فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَانِ فَتَرَكُوا الصَّلَاةَ فِيهِ وَذَهَبُوا إلَى مَكَانٍ آخَرَ لِكَوْنِهِ فِيهِ أَثَرٌ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ خَالَفُوا السُّنَّةَ . وَقَدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمًا يَنْتَابُونَ مَكَانًا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: هَذَا مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ: وَمَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِكُمْ مَسَاجِدَ ؟ إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِمِثْلِ هَذَا فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ فَلْيُصَلِّ فِيهِ وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ . فَمَسْجِدُهُ الْمُفَضَّلُ لَمَّا كَانَ يُفَضِّلُ الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ مُسْتَحَبًّا فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ: { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } وَقَالَ: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا } وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ الْحُجْرَةُ: بَلْ كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِيهِ أَفْضَلَ مِمَّنْ صَلَّى فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ بَعْدَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ فِيهِ صَارَ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ . بَلْ الْفَضِيلَةُ إنْ اخْتَلَفَتْ الْأَزْمِنَةُ وَالرِّجَالُ فَزَمَنُهُ وَزَمَنُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَفْضَلُ وَرِجَالُهُ أَفْضَلُ . فَالْمَسْجِدُ حِينَئِذٍ قَبْلَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ فِيهِ كَانَ أَفْضَلَ إنْ اخْتَلَفَتْ الْأُمُورُ وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَلَا فَرْقَ . وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ صَارَ بِدُخُولِ الْحُجْرَةِ فِيهِ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ . وَهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا دُخُولَ الْحُجْرَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا قَصَدُوا تَوْسِيعَهُ بِإِدْخَالِ حُجَرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَتْ فِيهِ الْحُجْرَةُ ضَرُورَةً مَعَ كَرَاهَةِ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَا بُنِيَ لِلَّهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَضِيلَتُهَا بِعِبَادَةِ اللَّهِ فِيهَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِمَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِيهَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبِبِنَائِهَا لِذَلِكَ . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } . وَالْأَعْمَالُ تُفَضَّلُ بِنِيَّاتِ أَصْحَابِهَا وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ } . وَبِذَلِكَ يُثَابُونَ وَعَلَى تَرْكِ مَا فَرَضَهُ اللَّهُ يُعَاقَبُونَ وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ عَنْهُمْ بَلَاءُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَمَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْمَصَائِبِ فَبِذُنُوبِهِمْ . قَالَ تَعَالَى: { إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } وَقَالَ تَعَالَى: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيْ مَا أَصَابَك مِنْ نَصْرٍ وَرِزْقٍ وَعَافِيَةٍ فَهُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْك وَمَا أَصَابَك مِنْ الْمَصَائِبِ فَبِذُنُوبِك . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } كَمَا أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا تَكُونُ الْعِبَادَةُ إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ وَلَا يَكُونُ التَّوَكُّلُ إلَّا عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَلَا تَكُونُ الْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ . وَالرَّسُولُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت