فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 63

وَالسَّفَرُ إلَى الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ حَجٌّ فَالْمُشْرِكُونَ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يَحُجُّونَ إلَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَلِهَذَا لَمَّا { قَالَ الْحَبْرُ الَّذِي بَشَّرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: إنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ وَهُوَ مِنْ بَيْتٍ يَحُجُّهُ الْعَرَبُ . فَقَالَ أُمَيَّةُ: نَحْنُ مَعْشَرَ ثَقِيفٍ فِينَا بَيْتٌ يَحُجُّهُ الْعَرَبُ ؛ فَقَالَ الْحَبْرُ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ إنَّهُ مِنْ إخْوَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ } . فَأَخْبَرَ أُمَيَّةَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَحُجُّ إلَى اللَّاتِ . وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ هَذَا كَانَ رَجُلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ وَيُطْعِمُهُمْ إيَّاهُ فَلَمَّا مَاتَ عَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ وَصَارَ وَثَنًا يُحَجُّ إلَيْهِ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ: { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ } بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَكَانَتْ اللَّاتُ لِأَهْلِ الطَّائِفِ وَالْعُزَّى لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنَاةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَلِهَذَا { قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا جَعَلَ يَرْتَجِزُ فَقَالَ: اُعْلُ هُبَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ قَالُوا: وَمَا نَقُولُ ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ قَالُوا: وَمَا نَقُولُ ؟ قَالَ قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ } . فَالسَّفَرُ إلَى الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ يَحُجُّونَ إلَى آلِهَتِهِمْ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَحُجُّ إلَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى . وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَحُجُّونَ إلَى الْبَيْتِ وَيَطُوفُونَ بِهِ وَيَقِفُونَ بِعَرَفَاتِ ؛ وَلِهَذَا كَانُوا تَارَةً يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَتَارَةً يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ . وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكُهُ وَمَا ملك . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يَقُولُ تَعَالَى: إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكًا لَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَمْلُوكِي شَرِيكًا لِي ؟ وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَلِهَذَا جُعِلَ الشِّرْكُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ كُفْرًا فَقَالَ تَعَالَى: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . وَذَمَّ النَّصَارَى عَلَى شِرْكِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } . وَالْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ يَحُجُّونَ إلَى آلِهَتِهِمْ كَمَا يَحُجُّونَ إلَى سمناة وَغَيْرِهِ مِنْ آلِهَتِهِمْ . وَكَذَلِكَ النَّصَارَى يَحُجُّونَ إلَى قُمَامَةَ وَبَيْتِ لَحْمٍ وَيَحُجُّونَ إلَى الْقَوْنَة الَّتِي بصيدنايا وَالْقَوْنَة الصُّورَةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ الَّتِي بِهَا الصُّوَرُ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا وَيَدْعُونَهَا وَيَسْتَشْفِعُونَ بِهَا . وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالسِّيَرِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أبرهة مَلِكَ الْحَبَشَةِ الَّذِي سَاقَ الْفِيلَ إلَى مَكَّةَ لِيَهْدِمَهَا حِينَ اسْتَوْلَتْ الْحَبَشَةُ عَلَى الْيَمَنِ وَقَهَرُوا الْعَرَبَ . ثُمَّ بَعْدَ هَذَا وَفَدَ سَيْفُ بْنُ ذِي يزن فَاسْتَنْجَدَ كِسْرَى مَلِكَ الْفُرْسِ فَأَنْجَدَهُ بِجَيْشِ حَتَّى أَخْرَجَ الْحَبَشَةَ عَنْهَا - وَهُوَ مِمَّنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت