فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 63

وَتَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَمْ يُنْسَخْ فَإِنَّ أَحَادِيثَ النَّسْخِ لَمْ يَرْوِهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ تَشْتَهِرْ . وَلَمَّا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ . احْتَجَّ بِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي بَكَتْ عِنْدَ الْقَبْرِ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لَزُرْت قَبْرَ ابْنِي . وَقَالَ النخعي: كَانُوا يَكْرَهُونَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَعَنْ ابْنِ سيرين مِثْلُهُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَقَالَ ؛ قَدْ كَانَ نَهَى عَنْهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ أَذِنَ فِيهَا فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ إنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلْ إلَّا خَيْرًا لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُ زِيَارَتَهَا . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى أَوَّلًا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . فَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الشِّرْكِ . وَقِيلَ لِأَجْلِ النِّيَاحَةِ عِنْدَهَا . وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ بِهَا . وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَاثَرُونَ بِقُبُورِ الْمَوْتَى . وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ: وَهَذَا تَأْنِيبٌ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَيْ حَتَّى جَعَلْتُمْ أَشْغَالَكُمْ الْقَاطِعَةَ لَكُمْ عَنْ الْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ تَكَثُّرًا بِمَنْ سَلَفَ وَإِشَادَةً بِذِكْرِهِ . ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا } فَكَانَ نَهْيُهُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ . ثُمَّ أَبَاحَ الزِّيَارَةَ بَعْدُ لِمَعْنَى الِاتِّعَاظِ لَا لِمَعْنَى الْمُبَاهَاةِ وَالتَّفَاخُرِ وَتَسْنِيمِهَا بِالْحِجَارَةِ الرُّخَامِ وَتَلْوِينِهَا سَرَفًا وَبُنْيَانِ النَّوَاوِيسِ عَلَيْهَا هَذَا لَفْظُ ابْنِ عَطِيَّةَ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ . وَنَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالْمُقَيَّرِ . وَاخْتَلَفُوا هَلْ نُسِخَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمْ يُنْسَخْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّسْخِ لَيْسَتْ مَشْهُورَةً . وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ مَا فِيهِ نَسْخٌ عَامٌّ . وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ نُسِخَ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إنَّمَا نُسِخَ إلَى الْإِبَاحَةِ فَزِيَارَةُ الْقُبُورِ مُبَاحَةٌ لَا مُسْتَحَبَّةٌ . وَهَذَا قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد . قَالُوا: لِأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ إنَّمَا تُفِيدُ الْإِبَاحَةَ . كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا } وَرُوِيَ { فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا } . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِمَا كَانَ يُقَالُ عِنْدَهَا مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُنْكَرَةِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَالنَّهْيِ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ أَوَّلًا لِأَنَّ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ تَدِبُّ فِيهَا وَلَا يُدْرَى بِذَلِكَ فَيَشْرَبُ الشَّارِبُ الْخَمْرَ وَهُوَ لَا يَدْرِي . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَبَّةٌ لِلدُّعَاءِ لِلْمَوْتَى مَعَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ { كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إلَى الْبَقِيعِ فَيَدْعُو لَهُمْ } . وَكَمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ خَرَجَ إلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَصَلَّى عَلَيْهِمْ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَوْتَى كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ } . وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت