فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 63

الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ } . وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ عِيدًا . فَلَمَّا عَلِمَ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَتَّخِذُوهُ مُصَلًّى لِلْفَرَائِضِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَهَا وَيُصَلُّونَ لَهَا وَيَنْذِرُونَ لَهَا: كَانَ نَهْيُهُمْ عَنْ دُعَائِهَا أَعْظَمَ وَأَعْظَمَ . كَمَا أَنَّهُ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِمَنْ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ: كَانَ نَهْيُهُمْ عَنْ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ أَوْلَى وَأَحْرَى . فَكَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ وَالذِّكْرَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ لِلَّهِ دُونَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّتِي نُهُوا أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَسَاجِدَ وَإِنَّمَا هِيَ بُيُوتُ الْمَخْلُوقِينَ . وَكَانُوا يَفْعَلُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكَرَاهَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ قَصْدَهُمْ الْقَبْرَ إذَا دَخَلُوا أَوْ خَرَجُوا مِنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ مُجَرَّدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي قباء رَاكِبًا وَمَاشِيًا كُلَّ سَبْتٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي قباء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا } وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ . زَادَ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ } . وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَيَذْهَبُ إلَى مَسْجِدِ قباء فَيُصَلِّي فِيهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَكِلَاهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَ قباء عَنْ هَذَا الطَّهُورِ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ . وَفِي سُنَنِ أَبِي داود وَغَيْرِهِ قَالَ { نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مَسْجِدِ أَهْلِ قباء فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ . فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ { سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ } . فَتَبَيَّنَ أَنَّ كِلَا الْمَسْجِدَيْنِ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى لَكِنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَكْمَلُ فِي هَذَا النَّعْتِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَذَا الِاسْمِ . وَمَسْجِدُ قباء كَانَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي نُهِيَ عَنْ الْقِيَامِ فِيهِ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إتْيَانَ قباء كُلَّ أُسْبُوعٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ اتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ يَأْتُونَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا فِي الْأُسْبُوعِ وَلَا فِي غَيْرِ الْأُسْبُوعِ . وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي الْقَبْرَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ . وَكَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ كَانُوا يَقْدَمُونَ مِنْ الْأَسْفَارِ وَلَا يَأْتُونَ الْقَبْرَ لَا لِسَلَامِ وَلَا لِدُعَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ . فَلَمْ يَكُونُوا يَقِفُونَ عِنْدَهُ خَارِجَ الْحُجْرَةِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت