وَالْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لَهَا فَضْلٌ عَلَى مَا سِوَاهَا فَإِنَّهَا بَنَاهَا أَنْبِيَاءُ وَدَعَوْا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهَا . فَالْخَلِيلُ دَعَا إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسُلَيْمَانُ دَعَا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَبِيُّنَا دَعَا إلَى الثَّلَاثَةِ: إلَى مَسْجِدِهِ . وَالْمَسْجِدَيْنِ وَلَكِنْ جَعَلَ السَّفَرَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَرْضًا وَالْآخَرَيْنِ تَطَوُّعًا . وَإِبْرَاهِيمُ وَسُلَيْمَانُ لَمْ يُوجِبَا شَيْئًا وَلَا أَوْجَبَ الْخَلِيلُ الْحَجَّ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَحُجُّونَ وَلَكِنْ حَجَّ مُوسَى وَيُونُسُ وَغَيْرُهُمَا: وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْحَجُّ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ؛ وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } هَذَا هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ: أَنَّهُ يُفِيدُ إيجَابَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ إيجَابَهُمَا ابْتِدَاءً وَإِتْمَامَهُمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ . وَقِيلَ: إنَّمَا يُفِيدُ وُجُوبَ إتْمَامِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ لَا إيجَابَهُمَا ابْتِدَاءً . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ بَعْدَ شُرُوعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ - عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ - لَمَّا صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ وَأُبِيحُ فِيهَا التَّحَلُّلُ لِلْمُحْصَرِ فَحَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ لَمَّا صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَرَجَعُوا . وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ يَجِبُ عَلَى الشَّارِعِ فِيهِمَا إتْمَامُهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ . وَتَنَازَعُوا فِي الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَسْجِدَ الرَّسُولِ . فَضِيلَةُ السَّفَرِ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ ؛ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْقَبْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا مِنْ الْفُرُوقِ بَيْنَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ قَبْرِهِ وَغَيْرِهِ . فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ . وَهَذَا الْمُعْتَرِضُ وَأَمْثَالُهُ جَعَلُوا السَّفَرَ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ نَوْعًا . ثُمَّ لَمَّا رَأَوْا مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيِّنَا ظَنُّوا أَنَّ سَائِرَ الْقُبُورِ يُسَافَرُ إلَيْهَا كَمَا يُسَافَرُ إلَيْهِ . فَضَلُّوا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّفَرَ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ سَفَرٌ إلَى مَسْجِدِهِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ . الثَّانِي: أَنَّ هَذَا السَّفَرَ هُوَ لِلْمَسْجِدِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَبَعْدَ دَفْنِهِ وَقَبْلَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ وَبَعْدَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ فِيهِ . فَهُوَ سَفَرٌ إلَى الْمَسَاجِدِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَبْرُ هُنَاكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ . فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ السَّفَرُ إلَى قَبْرٍ مُجَرَّدٍ . الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يُسَمِّيَ هَذَا زِيَارَةً لِقَبْرِهِ . وَاَلَّذِينَ لَمْ يَكْرَهُوهُ يُسَلِّمُونَ لِأُولَئِكَ الْحُكْمَ ؛ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الِاسْمِ . وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ زِيَارَةٌ لِقَبْرِهِ بِلَا نِزَاعٍ . فَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَافَرَ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَصْلًا وَكُلُّ مَا سُمِّيَ زِيَارَةَ قَبْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَافَرُ إلَيْهِ وَالسَّفَرُ إلَى مَسْجِدِ نَبِيِّنَا لَيْسَ سَفَرًا إلَى زِيَارَةِ قَبْرِهِ بَلْ هُوَ سَفَرٌ لِعِبَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ . الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا السَّفَرَ مُسْتَحَبٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالسَّفَرَ إلَى قُبُورِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا لَا بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ ؛ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ . الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدُهُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَهُوَ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ