فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 35

وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ نُهِيَ عَنْ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ وَالصَّلَاةُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ . فَكَيْفَ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا . السَّادِسُ: أَنَّ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ - الَّذِي يُسَمَّى السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ - هُوَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى سَائِرِ الْقُبُورِ فَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ بَلْ وَلَا عَنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ . فَكَيْفَ يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا ؟ وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَهْدِهِ وَإِلَى هَذَا الْوَقْتِ يُسَافِرُونَ إلَى مَسْجِدِهِ ؛ إمَّا مَعَ الْحَجِّ وَإِمَّا بِدُونِ الْحَجِّ . فَعَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَهُ مَعَ الْحَجِّ - كَمَا يُسَافِرُونَ إلَى مَكَّةَ - فَإِنَّ الطُّرُقَاتِ كَانَتْ آمِنَةً وَكَانَ إنْشَاءُ السَّفَرِ إلَيْهِ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِسَفَرِ الْحَجِّ . وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْرِدُوا لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا وَلِلْحَجِّ سَفَرًا وَهَذَا أَفْضَلُ - بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ - مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ فَضَّلُوا التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ كَمَا فَضَّلَ أَحْمَد التَّمَتُّعَ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ وَالْقِرَانَ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ - فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ وَصَرَّحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا - هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ إفْرَادَ الْعُمْرَةِ بِسَفَرِ وَالْحَجِّ بِسَفَرِ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - فِيمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - أَنَّ عُمْرَةً كُوفِيَّةً أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا يُسَافِرُونَ إلَى مَسْجِدِهِ وَلَا يُسَافِرُونَ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ: كَقَبْرِ مُوسَى وَقَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُ سَافَرَ إلَى قَبْرِ الْخَلِيلِ مَعَ كَثْرَةِ مَجِيئِهِمْ إلَى الشَّامِ وَالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ . فَكَيْفَ يُجْعَلُ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ زِيَارَةً لِقَبْرِهِ مِثْلَ السَّفَرِ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِعُ: أَنَّ السَّفَرَ الْمَشْرُوعَ إلَى مَسْجِدِهِ يَتَضَمَّنُ أَنْ يُفْعَلَ فِي مَسْجِدِهِ مَا كَانَ يُفْعَلُ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَسَائِرِ الْبِقَاعِ . وَإِنْ كَانَ مَسْجِدُهُ أَفْضَلَ . فَالْمَشْرُوعُ فِيهِ عِبَادَةٌ لِلَّهِ مَأْمُورٌ بِهَا وَأَمَّا الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْ سَافَرَ إلَى قَبْرِ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ نَوْعِ الشِّرْكِ كَدُعَائِهِمْ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ وَاِتِّخَاذِ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ وَأَعْيَادًا وَأَوْثَانًا . وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ . فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ قَبْرِهِ مِثْلَ هَذَا . قُلْت لَك: أَمَّا عِنْدُ الْقَبْرِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَجَابَ دَعْوَتَهُ حَيْثُ قَالَ: { اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ . } . وَأَمَّا فِي مَسْجِدِهِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ الْجُهَّالِ وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ شَرْعَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا شُرِعَ وَهَؤُلَاءِ يَنْهَوْنَ أُولَئِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَلَا يَجْتَمِعُ الزُّوَّارُ عَلَى الضَّلَالِ وَأَمَّا قَبْرُ غَيْرِهِ فَالْمُسَافِرُونَ إلَيْهِ كُلُّهُمْ جُهَّالٌ ضَالُّونَ مُشْرِكُونَ وَيَصِيرُونَ عِنْدَ نَفْسِ الْقَبْرِ ؛ وَلَا أَحَدَ هُنَاكَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ . الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ قَبْرُهُ مَعْلُومٌ مُتَوَاتِرٌ ؛ بِخِلَافِ قَبْرِ غَيْرِهِ . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَفِظَ عَامَّةَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ النَّاسُ مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ كَمَا أَظْهَرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِنُبُوَّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت