وَمِنْهَا أَنَّهُ جَعَلَ زِيَارَةَ الْمَيِّتِ كَزِيَارَتِهِ حَيًّا وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ { الَّذِي زَارَ أَخًا لَهُ فِي الْحَيَاةِ } عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْمَيِّتِ وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ وَالْقِيَاسُ مَا عُرِفَتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَافَرُوا إلَى الرَّسُولِ فَسَاعَدُوهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ وَخَاطَبُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَجَابَهُمْ وَعَلَّمَهُمْ وَأَدَّبَهُمْ وَحَمَّلَهُمْ رَسَائِلَ إلَى قَوْمِهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ: لَا يَكُونُ مِثْلَهُمْ أَحَدٌ بِالْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ: كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ . فَكَيْفَ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ ظَاهِرِ حُجْرَتِهِ مِثْلَهُمْ أَوْ تُقَاسُ هَذِهِ الزِّيَارَةُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ أَنَّ كُلَّ مَا يُفْعَلُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ حُجْرَتِهِ مِنْ صَلَاةٍ عَلَيْهِ وَسَلَامٍ وَثَنَاءٍ وَإِكْرَامٍ وَذِكْرِ مَحَاسِنَ وَفَضَائِلَ: مُمْكِنٌ فِعْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كَمَا قَالَ: { لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ } . وَلَوْ كَانَ لِلْأَعْمَالِ عِنْدَ الْقَبْرِ فَضِيلَةٌ لَفَتَحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَابَ الْحُجْرَةِ ؛ فَلَمَّا مُنِعُوا مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْقَبْرِ وَأُمِرُوا بِالْعِبَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ: عُلِمَ أَنَّ فَضِيلَةَ الْعَمَلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ فِي مَسْجِدِهِ كَمَا أَنَّ صَلَاةً فِي مَسْجِدِهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ وَلَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِأَنْ يُقْصَدَ بِعَمَلِ صَالِحٍ أَنْ يُفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمِنْهَا افْتِرَاؤُهُ عَلَى الْمُجِيبِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ افْتِرَاءً ظَاهِرًا وَسَبَبُ افْتِرَائِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَّحَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ لِكَوْنِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ تُوَافِقُهُمْ وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ مُعَادَاةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ إذْ كُلُّ مَنْ عَادَى سُنَّتَهُ وَشَرِيعَتَهُ وَدِينَهُ فَقَدْ عَادَاهُ وَمَنْ عَادَى شَخْصًا لِأَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا عَادَى الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ . فَكَيْفَ يَجُوزُ الْكَذِبُ وَالِافْتِرَاءُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَهُوَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ . وَلَوْ كَانَ الْمُجِيبُ مُخْطِئًا لَمَا جَازَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ وَالِافْتِرَاءَ حَرَامٌ مُطْلَقًا . وَاَللَّهُ أَوْجَبَ الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ . فَكَيْفَ إذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ مِنْ الْأَقْوَالِ هِيَ أَقْوَالُ الْمُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُعْتَرِضُ الْقَادِحُ فِيهِمْ وَفِيمَا قَالُوهُ الشَّاتِمُ الْمُكَفِّرُ لِمَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ وَاتَّبَعَهُ عَلَى نَفْسِ مَا هُوَ مُتَابَعَةٌ لِلرَّسُولِ وَإِيمَانٌ بِهِ: قَوْلُهُ هَذَا الْمُتَضَمِّنُ عَدَاوَةَ الرَّسُولِ وَعَدَاوَةَ مَا جَاءَ بِهِ وَعَدَاوَةَ مَنْ اتَّبَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ . فَقَوْلُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ الْمُحَادِّينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمُوَالِينَ لِأَهْلِ الْإِفْكِ وَالشِّرْكِ الْمُضَاهِينَ لِلنَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُمْ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ ؛ لِقِلَّةِ الْعِلْمِ وَسُوءِ الْفَهْمِ وَالْبُعْدِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ . بَلْ هُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ يَتَكَلَّمُونَ بِأَنْوَاعِ مِنْ الْكَلَامِ صَاحِبُهَا إلَى الِاسْتِتَابَةِ وَالتَّعْزِيرِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالْمُنَاظَرَةِ لَهُ كَمَا يُوجَدُ فِي جُهَّالِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يُسَارِعُ إلَى تَكْفِيرِ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ مَنْ السَّلَفِ ؛ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَسُوءِ فَهْمِهِ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . فَهُمْ مُبْتَدِعُونَ بِدْعَةً بِجَهْلِهِمْ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ . وَأَهْلُ