فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 35

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: فَصْلٌ مُخْتَصَرٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ مِنْ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ مَعَ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ . وَقَبْلَ ذَلِكَ نَذْكُرُ"لَفْظَ الْجَوَابِ"لِيَتَبَيَّنَ مَا فِي مُعَارَضَتِهِ مَا الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَلَفْظُ الْجَوَابِ بَعْدَ لَفْظِ السُّؤَالِ . وَالسُّؤَالُ سُؤَالُ مُسْتَرْشِدٍ: يَسْأَلُ عَنْ السَّفَرِ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَةِ . وَقَدْ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالْأَحَادِيثَ الْمُتَعَارِضَةَ وَلَمْ يَعْرِفْ صَحِيحَهَا مِنْ ضَعِيفِهَا . فَقَالَ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءَ: فِي رَجُلٍ نَوَى"زِيَارَةَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ"مِثْلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِي سَفَرِهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ ؟ وَهَلْ هَذِهِ الزِّيَارَةُ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } و { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي } وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا } .

وَلَفْظُ الْجَوَابِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ . أَمَّا مَنْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ . عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ . أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَيَقُولُونَ: إنَّ هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ ؛ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ . وَطَوَائِفَ كَثِيرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّ السَّفَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ . وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يُجَوِّزُ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ . وَيَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد مِمَّنْ يُجَوِّزُ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ عبدوس الحراني . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: { فَزُورُوا الْقُبُورَ } . وَقَدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ: { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي } رَوَاهُ الدارقطني . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ: { مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ . وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: { مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحْمَد وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ أَحَدٌ ؛ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ الدارقطني - وَقَدْ زَادَ فِيهَا الْمُجِيبُ حَاشِيَةً بَعْدَ ذَلِكَ - وَلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي"كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ"لَا مُحْتَجًّا وَلَا مُعْتَضِدًا بِهِ وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أَحْمَد بْنُ عَدِيٍّ فِي"كِتَابِ الضُّعَفَاءِ"لِيُبَيِّنَ ضَعْفَ رِوَايَتِهِ . فَذَكَرَهُ بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ شِبْلٍ الْبَاهِلِيِّ الْمِصْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ هَذَا . يَعْنِي وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْآفَةَ مِنْ جِهَتِهِ . قَالَ يُونُسُ بْنُ هَارُونَ: كَانَ النُّعْمَانُ هَذَا مُتَّهَمًا . وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: يَأْتِي مِنْ الثِّقَاتِ بِالطَّامَّاتِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ - وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَدِّي عَنْ مَالِكٍ . ثُمَّ قَالَ: أَبُو الْفَرَجِ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: النُّعْمَانُ يَأْتِي عَنْ الثِّقَاتِ بِالطَّامَّاتِ . وَقَالَ الدارقطني الطَّعْنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ؛ لَا مِنْ نُعْمَانَ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: { مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } فَهَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ لَا بِإِسْنَادِ مَوْضُوعٍ وَلَا غَيْرِ مَوْضُوعٍ . وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَا لَمْ يُسْمَعْ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي زَمَنِ صَلَاحِ الدِّينِ ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا هَذَا وَلَا هَذَا لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِضَادِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِمَادِ ؛ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَرَوَوْهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ الغاضري صَاحِبِ عَاصِمٍ - عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت