أمَّا مثالُ التطابق بينهما تعريفًا وتنكيرًا، فنحو قوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (الحج: 78) ، وقوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} (الشعراء: 47 - 48) ، هذا في التعريف، وأمَّا في التنكير، فنحو قوله تعالى: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} (النور: 35) ، وقوله تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} (ابراهيم: 16) .
وقد منع البصريون وقوعَ عطفِ البيان في النكرات، وأجازه الكوفيون، وتبعهم أبو عليٍّ الفارسيُّ، وابنُ جنيِّ، والزمخشريُّ، وابنُ عصفورٍ، والسيوطيُّ [2] ، وذكر الشيخ محمد الأمير في حاشيته على مغني اللبيب سببَ منعِ البصريين لذلك، حيثُ يقولُ:"لأنَّ النكرةَ غير بينةٌ في نفسها، فكيف تبين غيرها، وفيه أنَّ النكراتِ تتفاوتُ، على أنَّهم قالوا يجوز أن يتضح المُرادُ بالمجموعِ، وأن يكون عطفُ البيان للمدح" [3] ، وجاء مثلُ هذا في حاشية الصبَّان:"قوله: (ويخصون عطف البيان بالمعارف) ، احتجوا بأنَّ البيان بيانٌ كاسمه، والنكرةُ مجهولةٌ، والمجهولُ لا يبين المجهولَ، ورُدَّ بأنَّ بعضَ النكراتِ أخصُّ من بعضٍّ، والأخصُّ يُبينُ"
الأعمَّ" [4] ."
وأمَّا القولُ بجوازِ التخالفِ، بين عطف البيان ومعطوفه، فليس براجحٍ، فقد أعربَ الزمخشريُّ، {مَقَامُ إِبْرَاهِيم} عطفَ بيانٍ لـ {آيَاتٌ} في قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} (آل عمران: 97) [5] ، يقولُ الخضريُّ:"وأمَّا قولُ الزمخشريِّ، إنَّ {مَقَامُ إِبْرَاهِيم} "
(1) ينظر: (البقرة / 21) ، (مريم / 2) ، (طه / 30) .
(2) ينظر: الكشاف، 2/ 174 - 175، وشرح المفصل،، 3/ 72، والبحر المحيط، 6/ 419، ومغني اللبيب، 743، وشرح قطر الندى، 298، وشرح ابن عقيل، 2/ 220، وشرح الأشموني، 3/ 86، والفرائد الجديدة، 2/ 723، والإتقان في علوم القرآن، 2/ 190، وروح المعاني، 18/ 167.
(3) حاشية الشيخ محمد الأمير على مغني اللبيب، 2/ 139.
(4) حاشية الصبان، 3/ 86.
(5) ينظر: الكشاف، 1/ 337.