الصفحة 65 من 302

والمعنى والله أعلم كتاب أنزل إليك لتنذر بهِ وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منهُ. قال البقاعي:"فقال مخبرًا عن مبتدأ تقديرهُ هو كتاب ... وقَدّمَ قوله مسببًا عن تخصيصه بهذه الرحمة {فَلا يَكُنْ} ... وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة ... ويجوز أن تتعلق لام {لِتُنْذِرَ} بمعنى النهي ... أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن تنذر، أي لأجل إنذارك بهِ، والنهي للنبي - صلى الله عليه وسلم - حُوَّل الى الحرج مبالغةً وأدبًا ويجوز أن يكون التقدير: لتنذر بهِ وتذكر بهِ" [1] .

ثم يذكر البقاعي الغرض البلاغي من التقديم وهو تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -) [2] (. وذهب الزمخشري إن اللام متعلقة بقوله أنزل وقد قاله الفراء ولزم قوله فلا يكن في صدرك حرج اعتراض بين العامل والمعمول [3] .

وبحث البقاعي في هذا النوع من التقديم اللفظي والتأخير المعنوي المشكل في قوله تعالى: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} {فاطر: 27} قال البقاعي:"ولما قَدّمَ ما كان مستغربًا في ألوان الارض لأنهُ على غير لونها الاصلي، اتبعه ما هو اقرب الى الغبرة التي هي أصل لونها ... ولما كانت مادة (غرَبَ) تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذًا من غروب الشمس، ويلزم منهُ السواد ولذلك يؤكد الاسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي الاسود للمبالغة في سواده، وكان المقصود الوصف بغاية السواء مخالفة لغيره {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فقَدّمَ التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة (وسود غرابيب سود) فأضمر الاول ليتقَدّمَ على المؤكد لأنه تابع ... ودل عليه بالثاني ليكون ليكون مبالغًا في تأكيده غاية المبالغة بالاضهار بعد الاضمار" [4] .

قال الزمخشري:"الغربيب تأكيد للأسود ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكَّد كقولك اصفر فاقع ... وما أشبه ذلك ووجهه أن يظهر المؤكد قبله فيكون الذي بعده تفسيرًا لما أضمر كقول النابغة" [5] ... والمؤمن العائذات الطير يمسها.

(1) نظم الدرر: 7/ 348 - 349.

(2) ينظر: المصدر نفسه: 7/ 351 - 352، والدر المنثور: 3/ 67، وفتح القدير: 2/ 137.

(3) ينظر: معاني القران: 1/ 370، والكشاف: 2/ 66، والبحر المحيط: 4/ 269.

(4) نظم الدرر: 16/ 46.

(5) ديوان النابغة: 20. ... والبيت والمؤمن العائذات الطير يمسها ... ركبان مكة بين الغيل والسَّند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت