ذلك لأنهُ ابعد عن النطق مع داود الجبال يسبحن تستكثروا علينا أمرًا وان كان عندكم عجبًا ..." [1] ."
إذ نجد البقاعي يعتمد في تفسيره للآية السابقة على ربط الكلام برابط المعنى البلاغي، فراح يتأمل سبب تقديم الكلمات على قسم منها او سبب ترتيبها من حيث السياق إذ يقول: {يُسَبِّحْنَ} معه، ولو شئنا لجعلنا الحرث او الغنم يكلّمه بصواب الحكم ..." [2] . والزمخشري يذهب الى المعنى نفسه [3] ."
8.التقديم لذكر الدليل:
جاء قسم من الايات في القرآن الكريم وقُدّمَ فيها الدليل على المدلول على الرغم من أنَّ ذكر المدلول اولًا اوجب منطقيًا إلاّ أنَّ أسلوب القرآن المعجز لا يحدهُ حد ولا يحاطُ قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالارْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا يَسْتَوِي الاعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُون إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} {غافر: 57 - 59} . ذكر البقاعي مستدلًا على البعث لأن الاله الذي خلق السموات والارض على كبرهما قادر على إعادة الاجسام بعد فنائها والمراد توبيخ الكفار المتكبرين، إذ قال:"دلَّ ذلك قطعًا الى أن المراد نفي التساوي بين أفراد كل نوع، لأنَّ ذلك أدلَّ على القدرة فقَدّمَ الدليل ثم ذكر المدلول" [4] . فان الله - سبحانه وتعالى - في هذه الاية كأنه يقول والله اعلم خلق السموات والارض أكبر من خلق الناس فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم وهم من أصغر مخلوقاته.
سياق التقديم في اللفظ والتأخير في المعنى:
نستنتج مما سبق أنَّ البقاعي التفت الى مواضع التقديم الموجودة ضمن آيات القرآن الكريم فمن ضروب التقديم في اللفظ والتأخير في المعنى قوله تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} {الاعراف: 2}
(1) المصدر نفسه: 12/ 456.
(2) نظم الدرر: 12/ 456.
(3) ينظر: الكشاف: 2/ 580. وأنوار التنزيل: 2/ 76.
(4) نظم الدرر: 17/ 96 - 97 وينظر مصاعد النظر: 3/ 249.