الصفحة 62 من 302

فالبقاعي يناقش الآية من وجهة فقهية ثم يحللها من وجهه بلاغية موضحا قيمة سياق التقديم والتأخير للأهمية والسبق معتمدا قراءة ابن عباس"رضي الله عنهما"بذكر رأي من قال بتقديم الاستئذان لتقدم ذكرها في الآية.

4.التقديم للغلبة والكثرة:

لقد ذكر البقاعي في تفسيره ان التقديم والتأخير يساق لغرض الغلبة والكثرة في قوله تعالى: {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} {التغابن: 2} فالكفر اكثر من الايمان بدليل قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين َ} ... {يوسف: 103} .

وقد ذهب البقاعي بالقول: فقال تعالى مقدما للعدو اشارة إلى أنّه عالم به قادر عليه وما كان من شيء الا بإرادته، وفيه تلويح إلى أنه الاكثر ومع كثرته هو الاضعف" [1] ."

ومن ذلك قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} {فاطر: 32} . قدم الظالم لكثرته. ثم المقتصد قال البقاعي"... مقسما أهل هذا القسم وهم أهل الفهم إلى ثلاثة اقسام مقدما الادنى لانهم الاكثر ولئلا يحصل اليأس ... {ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} أي بالتفريط والتهاون ... وهذا القسم هم اكثر الوارث المرجئون لأمر الله" [2]

ومنه قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} {النور: 2}

إذ قال البقاعي بالتقديم:"وقدمهما لأن أثر الزنا يبدوا عليها من الحبل .. ولأنها اصل الفتنة بهتك ما أُمِرَتْ به من حجاب التستر والتصوف والتحذير" [3] . وذهب الزمخشري بالقول في الآية أن المرأة هي مادة الخيانة لأنها هي التي تطمع الرجل ولما كانت أصلا وأولا في ذلك بدأ بذكرها [4] وتابعة ابن جزي إذ قال:"وقدم الزانية لان الزنا كان حينئذ في النساء اكثر" [5] وإليه ذهب ابن عاشور بالمعنى نفسه [6] .

فالبقاعي يميل إلى الغلبة في الفتنة وان لم يصطلح على ذكر الغرض هنا وهو الراجح عندي تأدبا، والزمخشري يذهب بتقديم المرأة لأنها سبب الزنا هو الغلبة أيضا ويذهب ابن جزي على الكثرة والشيوع. ومثل هذا التفسير نجده في تقديم السارق على السارقة في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} {المائدة: 38} .

والبقاعي يولي عناية للتقديم ودلالة سياقة وإذ قدّم الصوامع في سورة الحج لتكون أقرب إلى الهدم وأخر المساجد لتقارب الذكر [7] . وقدّم في التوبة السابقين عقيب أهل القربات من الأعراب وأخر المرجئين وعقبّهم بأهل مسجد ضرار [8] . وقدّم - سبحانه وتعالى - في الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة إلى الذاكرين الله كثيرا [9] فهو - سبحانه وتعالى - تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ما يقتضيه الحال وأمثلته كثيرة [10] .

5.التقديم للتفضيل والتشريف:

وقد ذكر البقاعي أن التقديم يأتي للتفضيل والتشريف في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} {الاحزاب: 7} فـ {وَمِنْكَ} يقصد به الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وبدئ به تفضيلًا له يقول البقاعي:"... ولما أتم المراد إجمالًا وعمومًا وخصّه - صلى الله عليه وسلم - من ذلكَ العموم مبتدئًا به مقَدّمًَا إياهُ بيانًا لتشريفه وتفضيلهِ" [11] . وذهب الزمخشري الى بيان فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - فلذلك قدّمَ للتعظيم والتشريف [12] . وكذلك ذهب ابن جزي في

(1) نظم الدرر: 20/ 104.

(2) المصدر نفسه: 16/ 55.

(3) المصدر نفسه: 13/ 204.

(4) ينظر: الكشاف: 3/ 58.

(5) التسهيل: 3/ 58.

(6) ينظر: التحرير والتنوير: 18/ 146.

(7) ينظر: نظم الدرر: 13/ 57.

(8) ينظر: المصدر نفسه: 8/ 421، و504.

(9) ينظر: المصدر نفسه: 15/ 35 - 354.

(10) ينظر: على سبيل التمثيل: 1/ 197، و299، و13/ 49، و19/ 71، و20/ 103 - 104.

(11) المصدر نفسه: 15/ 294.

(12) ينظر: الكشاف: 3/ 252، وأنوار التنزيل: 2/ 240، والدر المنثور: 5/ 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت