انّ البقاعي في تفسيره السابق فسر معنى الكناية {الْغَائِطِ} واصلها اللغوي والذي قال به اكثر المفسرين [1] ولم يفسر الزمخشري الآية ولم يقف عليها ولاندري ما علة ذلك [2] .
ومن البلاغة القرآنية التي ارتبطت بكثير من الآيات بالاحكام الفقهية التي استكنهت من الأنواع البلاغية وفي هذا الموضع نلاحظ انّ تفسير الكناية في الآية السابقة جعلنا نفهم تعاليم ديننا وتشريعه وردت فيها الكناية لغرض ترك اللفظ الى ما هو اجمل قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} {النساء: 21} فالافضاء كناية عن الجماع وهي كناية عن موصوف فعلاقة اللازمية والملزومية حملها اللفظ {أَفْضَى} لانّه اللازم امّا الملزوم فهو الجماع وقد فسر البقاعي هذه الآية وكان هدفه استخراج الاحكام الشرعية فقال:" {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} 00 والحال انّه قد افضى أي بالملامسة وهو كناية عن الجماع {بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} أي فكدتم ان تصيروا جسدا وأحدا {اخذن} أي النساء (مِنْكُم) أي بالافضاء والاتحاد 00 لان مبنى النكاح على ذلك وان لم يصرح به فيه [3] ."
وهكذا لاحظنا كيف ذكر البقاعي الكناية عما يستقبح ذكره وفي هذا دليل على فهم غرض الكناية البلاغي فتارة ينص على الكناية بلفظها وتارة يصرح بعبارة عن كذا بدلا من الكناية [4] .
4.الكناية لقصد المبالغة:
تأتي الكناية دالة على صفة مبالغ فيها للتعبير عن الاعجاب والمدح الشديدين أو الذم الشديد فالدال القريب يوحي بالمدلول البعيد كقولنا (كثير الرماد) كناية عن مبالغتنا في صفة الكرم فلو قلنا كريم لما أوحت الجملة بالظِلال التي حملتها الكناية (كثير الرماد) وقد ورد هذا النوع من الكناية في قوله تعالى: {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} {التوبة: من الآية67} فقبض الايدي يدل على شدة البخل والمبالغة فيه، والأيدي حينما تقبض وتضم
(1) ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 302و3/ 6 والجامع لاحكام القرآن: 5/ 191 والتسهيل: 1/ 143والبحر المحيط: 3/ 258، وانوار التنزيل: 1/ 216، وتنوير الاذهان: 1/ 341.
(2) ينظر الكشاف: 1/ 528.
(3) نظم الدرر: 5/ 227 ومصاعد النظر: 1/ 493 ينظر التسهيل: 1/ 135 والنهر الماد: 1/ 207
(4) ينظر سبيل التمثيل: 9/ 155و16/ 538 و17/ 222و21/ 49.