الصفحة 182 من 302

والكناية عند البقاعي ومن خلال دراستنا للتفسير نلمس فيها نوعين من الكناية هما اللغوية التي كانت حينذاك.

والكناية الاصطلاحية التي عرفت بمعناها البلاغي الذي أشرنا اليه قبل قليل أخذت تتطور بتطور الدرس البلاغي ونضجه مصطلحًا نحويًا جاريًا على السنة النحاة واللغويين الأوائل امثال سيبويه والفراء الاخفش.

أما الكناية اللغوية فقد كانت أقل دورانا في تفسيره، إذ استعملها على معنى الاخفاء والإضمار، وهذا يتصل بمعنى (الضمير /النحوي) سواء أكان مذكورًا أم محذوفًا بما له من تحديد للدلالة اللغوية والبنائية [1] . فمن أمثلته للدلالة على الضمير المذكور ما أورده عند تنأوله لقوله تعالى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} {البقرة: من الآية23} {مِّنْ مِثْلِهِ} "الهاء كناية عن القرآن، فأتوا بمثل هذا القرآن" [2] .

وقد جاء بالكناية هنا للدلالة على عود الضمير الهاء في قوله {مِثْلِهِ} وهذا ملحظ نحوي. وكذلك ما جاء في قوله تعالى: فَإِنْ تَأبوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ {التوبة: من الآية11} . إذ قال في تفسيرها:"معناه فهم إخوانكم، وبين أنها ليست أخوة النسب فقال: {الدِّينِ فِي} يرتفع مثل هذا من الكلام بأن يضمر له اسما"مكنيا"عنه" [3]

نلاحظ البقاعي قد استعمل الفعل وكنّى للدلالة على الضمير المحذوف أو المستتر. ويسير البقاعي على هذا النمط في تفسيره لكثير من النصوص القرآنية التي أفصحت عنده أن الكناية في بعض الأحيان هي بمثابة تعبير لغوي دال على إضمار الشيء بتكنيته أو الكناية عنه إذا أريد خفاؤه وأمثلته في ذلك كثيرة [4] .

وقد وردت الكناية في تفسير البقاعي في مواضع كثيرة ودلّل عليها وذكر أحيانًا على الأغراض البلاغية فيها ومنها.

1.التنبيه على عظم القدرة، نحو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَأحدةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} {الأعراف: من الآية189} . فالنفس الوأحدة كناية عن آدم - عليه السلام - والنفس الوأحدة هي أول روح خلقها الله تعالى ثم صنع

(1) ينظر: نظم الدرر: 1/ 165، و 2/ 11، و 12، و11/ 407، و 16/ 538.

(2) المصدر نفسه: 1/ 165، ومصاعد النظر: 1/ 38.

(3) نظم الدرر: 8/ 390.

(4) ينظر: على سبيل التمثيل: 1/ 334، 5/ 28، 9/ 28، 9/ 270، 16/ 34، 18/ 322، 19/ 449.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت