منها الخلق بمشيئته وهي كناية عن موصوف باعتبار ما يكنى عنه، لأن سياق الحديث في الآية يدلنا على سيدنا آدم. وهذه الكناية أتت للتعبير عن مقدرة الله في خلقه فهو كما خلقهم يميتهم ثم يبعثهم، والعظمة تأتي من كون الخلق خلقوا من روح وأحدة هي روح سيدنا آدم فالغرض البلاغي للكناية الإبلاغ عن عظمة الله - سبحانه وتعالى -.
وإذ ما عدنا إلى تفسير البقاعي وجدناه يقول في تفسير الآية: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَأحدةٍ} ."أي خلقها ابتداء"من تراب وهي آدم - عليه السلام -" [1] ."
إن البقاعي لم يصرح بالكناية في الموضوع وإنما استعمل لفظ (خلقها ابتداء") لكنه في تفسيره لتتمة الآية رأيناه ينص على الكناية في قوله {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} ... كناية عن الجماع ... فسكن إليها ... فمالت نفسه اليها" [2] .
ثم يعلل البقاعي الغرض من الكناية وهي قدرة الله بقوله:"ومن قدر على حي من شيء ليس له أصل في الحياة كان على إعادته حيا"من ذلك الشيء ... أقدر" [3] "
ووردت الكناية لغرض التنبيه على عظم القدرة في قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} {الحجر: 66} .
إنّ الكناية التي وردت في قوله تعالى {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوع} {الحجر: من الآية66} كناية عن نسبة لأنها تضمنت تخصيص الصفة وهي الاستئصال بالموصفين وهم قوم لوط، فالمراد إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه وهنا أثبت صفة الاستئصال للموصوفين عن تعاليم الله وإتيان الفاحشة.
قال البقاعي:"ولما تقرر أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت، وأشار إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد، فسره بقوله {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ} أي الحقيرين عند قدرتنا، وأشار بصيغة المفعول إلى عظمته سبحانه وسهولة الأمر عنده {مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} ... فهو كناية عن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء ..." [4] .
(1) نظم الدرر: 8/ 189. ينظر: الكشاف: 2/ 136، والبحر المحبط: 4/ 439، وأنوار التنزيل: 1/ 371.
(2) المصدر نفسه: 8/ 190.
(3) المصدر نفسه: 8/ 189.
(4) المصدر نفسه: 11/ 73. وينظر: البحر المحيط: 5/ 461.