يبقى القول إنَّ ألفاظ القبر جميعا أتت صريحة الإيحاء بأن الإقامة في (القبر، القبور، المقابر، الأجداث، المرقد) إقامة موقوتة ليست بدائمة، واتت أيضا متضمنة الدلالة على الحياة، مما يعزز البعث والنشور، وهذا سر من أسرار البيان القرآني المعجز، إذ دل بألفاظ ضجعة القبر وانطفاء الحياة على الحياة والبعث، وهذا إعجاز بياني يفيض جمالا وتأثيرا.
الثاني ـ في الجنة والنار:
(مأوى)
المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلا أو نهارا )) [1] .
واستعملها القرآن الكريم في سياق الآخرة، فجاءت مع النار (19مرة) منها قوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [2] . في (مأواهم) حفز إلى الخلود. أمَّا التهكم فلا ينفك عن دلالات هذا الاستعمال؛ ذلك أن المأوى يتوقع منه الإنسان أمنا وحماية، فإذا هي نار تحرق.
وجاءت مع الجنة (3مرات) تقارب الخلود أيضا منها قوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [3] . لسنا بصدد الكلام على مراتب الجنان، بقدر ما نعنى بالتماس الدلالة المخصوصة بـ (مأوى) في هذا السياق. ويبدو أن شيوع استعمالها مع أهل النار وقلته مع أهل الجنة، يستفاد منه أن أولئك من الخوف عند البعث بمكان، فيتوقون إلى ما يبعث الأمن، فكثر ما يدل ظاهره على الأمن على حين يطمئن الصالحون في هذا المقام فقل دليل الأمن لذلك.
(مثوى)
الثَّواء: الإقامة [4] ، والمثوى: ما يقام فيه من كان.
وخص القرآن الكريم بـ (مثوى) النار، إذ استعملها (10مرات) منها قوله تعالى: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [5] . وقد فسر المثوى بالمأوى [6] في هذا السياق. و اختصاصه بإقامة أهل النار ويُشعر بالإستفال والمكان السحيق بعدا، فكأنهم يُكبُّون فيه على وجوههم كبا، ويلحظ في هذا الاختيار مدلول بلاء الجسم وقبح الريح والعزلة.
(الغُرفَة)
الغرفة: المكان العالي [7] .
(1) مختار الصحاح (آوى) 34.
(2) آل عمران /151، وينظر. آل عمران /162، 197، النساء /97، 121، المائدة /72، الأنفال /16، التوبة /73، 95، يونس /8، الرعد /18، الإسراء /97، النور /58، العنكبوت /25، السجدة /20، الجاثية /34، الحديد /15، التحريم /9، النازعات /39.
(3) السجدة /19، وينظر. النجم /15، النازعات /24.
(4) ينظر. المقاييس (ثوى) 1/ 393.
(5) النحل /29، وينظر. آل عمران /151، الأنعام، العنكبوت /68، الزمر /32، 60، 72، غافر /76، فصلت /24، محمد /12.
(6) ينظر. الوجوه والنظائر في القرآن الكريم 304.
(7) ينظر. مختار الصحاح (قوم) 557.