بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه.
وبعد ...
فاللغة تتحدد فاعليها بتوافر عنصرين: أما الأول فنظام اللغة ذاتها، وما تعطيه من إمكانات اختيارية للمتكلم في بناء حدثه الكلامي. وأما الأول أيضا فطريقة هذا المتكلم في إخضاع هذه الإمكانات المتعددة إلى التحولات السياقية التي ينتج على ضوئها المعنى إنتاجًا تواصليا تأثيريا، وهكذا هي اللغة العالية، وهكذا العربية ود يدن القرآن الكريم.
فلا يخفى أنَّ اللغة تستعمل لأداء وظيفتين: الأولى وظيفة تواصلية تفاهمية يشترك فيها المتكلمون من دون فضل سبق لأحد على آخر، فتكون مباشرة عرفية في ألفاظها ودلالاتها، منطقية في بناء جملها. والوظيفة الثانية وظيفة تأثيرية جمالية، فضلا عن التوصيل والإبلاغ، فتنبني على العدول والاختيار والتساوق مع تحولات المقام؛ فتزخر بالتحولات السياقية والتبدل اللفظي. وهذه الوظيفة ـ كما في القرآن الكريم ــ هي ما تجعل اللغة أرواحًا تتنفس فيض الكمال والجمال، فيوجد فيها ريح الفن والخيال.
فإن الخطاب القرآني نضَّاخ بالمعرفة والحياة، وأسرار الوجود، ومستجمع ذلكم كله خطاب لغوي معجز أخَّاذ بطريقة الأداء واشراقاتها الروحية، وفيضها الجمالي، ومستجمع هذا أيضا تجليات المعنى وفنون البيان؛ ذلك أنَّ القرآن العزيز أتى على العربية فأحياها مرتين، أحياها من حيث (أمات) قدرة المعارضة و (التحدي) ، فجاء خطابا خلاقا مستنفدا إمكانات هذه اللغة كلها، وهذه آية إحيائها الكبرى؛ إذ يتنقَّل بالمتلقي من المعرفة الذوقية التأثيرية إلى المعرفة العقلية، فيكون القول بالإعجاز والتفرد. ويكون هذا قولين: قولا ذوقيا، وقولا عقليا، وكلاهما يؤدي إلى الآخر ويحفز إليه.
ولما كان القرآن الكريم يستعمل اللغة استعمالا جماليا فنيا، ولما كانت الألفاظ سُدى التعبير ونسيجه ولونه؛ تعامل معها القرآن الكريم تعامل المستهلك المنتج فاستهلك طاقاتها الدلالية كلها بأن نجم عن خبايا فيوضاتها وتجلياتها الفنية، فانتهى إلى مدارج كمالها الدلالي؛ وبذا يكون قد أنتجها. فجاءت ألفاظه مشدودة دوما إلى حفز دلالي يتناسل، وهذا التناسل الدلالي مظهر أبرز من مظاهر التأثيرية والفن وبعث الجمال في آفاق الخطاب الإلهي الإيماني المعجز.
تأتي إذًا الألفاظ في السياق القرآني محفورة وقد ملئت دلالة، و إشارة؛ فليس للمتأمل فيها أن يقف عند حدود الأبعاد المادية (العرفية) لهذه الألفاظ؛ فالقرآن المجيد لما استعملها لم يكن ليقف عند تلك الدلالة، فجاء حريصا قاصدا إلى الإشباع الدلالي لهذه الألفاظ من الصوت، والمعنى الأساس إلى الإشارة، والرمز، فالمعنى العاطفي والإيحائي؛ فجاءت لذلك (( الدلالة النفسية للألفاظ في القرآن الكريم ) )محاولة لتلمس الدلالة القرآنية بأبعادها العرفية العامة، وأبعادها الذوقية الذاتية، وما يفرزه السياق من فائض في المعنى، أو تضخم في دلالة هذه اللفظة أو تلك محمود.
والمنطلق المنهجي في هذه الدراسة هو تشييد البناء التحليلي للاستعمال القرآني من خلال استقراء الألفاظ التي تشكل (قطيعة) دلالية مع العرف اللغوي، على أساس من أنها تمثل مرحلة التفرد والرقي الإستعمالي داخل المنظومة اللغوية العربية، ثم محاولة تطبيق هذه الرؤية التحليلية على هذه الألفاظ داخل التحولات السياقية التي جاءت فيها للوقوف على العدول الدلالي، أو فائض الدلالة وما يفيض من معنى إضافي لهذه اللفظة أو تلك، فكانت الطريق إلى ذلك تبدأ من إثبات الدلالة العامة (المعجمية) للفظة، ومن ثم ولوج الاستعمال القرآني للتعرف على قرآنية الدلالة لهذه اللفظة، وما وهبت من تفرد وامتياز دلالي، والتحرك بعد ذلك نحو ما يمكن أن يلتمس من دلالة مخصوصة بالسياق القرآني، والتحول في نهاية الطريق إلى صياغة ذلك على نحو من الدلالة النفسية، والمعنى الإسلوبي، او ظلال المعنى، اعتمادا على السياقين اللغوي والثقافي، اللذين يحتكم إليهما بغية التمثل الدلالي الحقيق للاستعمال القرآني.
واحتجت بين يدي ذلك توضيح (الدلالة النفسية) والوقوف على مفهومها في التحليل الدلالي، فوجدت انه يكون من خلال الكلام على (الدلالة النفسية بين مفهوم السياق وأنواع المعنى) فتكفل به مدخل الاطروحة