يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [1] . وغاية ما في (يدسه) من إيثار دلالي هو الخفاء [2] ،أي أنَّ الداس يجنح إلى هذا العمل في خفية من القوم [3] طمعا في رفع ما يتوهمه سخرية وازدراء.
وينماز (يدس) في الدلالة على أنَّ المدسوس يغرس في التراب غرسا من دون أن يحفر له في حركة سريعة خاطفة، فيتضمن (يدسه) الدلالة على القتل والمواراة، أو هو القتل دسا في التراب.
(زُرتم)
الأصل في (زَوَرَ) الميل والاعوجاج [4] . فقد زار القوم زيارة إذا عدل عن غيرهم ومال [5] وظهر إليهم.
ولم يأت اللفظ بمعنى الزيارة إلا مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ - حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ} [6] . وفي (زرتم) أقوال ثلاثة: الأول أنها الزيارة على المعنى الحقيقي، أي آنَّ المتكاثرين [7] قد ذهبوا إلى القبور يعدون موتاهم، والثاني أنها على المجاز أُيريد بها ذكر الموتى وعدهم عند التكاثر والمفاخرة، والثالث أنَّ زيادة المقابر تعنى الموت [8] وهو أعلى الأقوال [9] وأولاها.
ويعطي (زرتم) على المعنيين الأول والثاني تهكما بهم [10] ، على انه ملحوظ فيه حسن الحياة، فيكون التعبير به في هذا السياق على درجة كبرى من الجمال والأعجاز، فكأن هؤلاء المتكاثرين يحسون موتاهم أحياء، أو يظهرونهم أحياء، وهذا يتناسب مع التفاخر بهم وعدهم عند التكاثر، فجاء اختيار (زرتم) ليؤشر هذه الدقيقة، فكان اختيارا رائعا، بل أروع اختيار عرفه الذوق اللغوي في حدود هذا الحقل.
ويبقى حس الحياة مدلولا في دلالة الزيادة على الموت، فتأتي الإشارة إلى أنَّ ثمة حياة أخرى وعقابا وثوابا يحسان في القبر وبعد البعث، فيبقى (( في التعبير عن الموت بالزيادة، ملحظ بياني بالغ القوة والروعة، فاستعمال الزيارة بهذا المعنى صريح الإيحاء بان الإقامة في القبر ليست إقامة دائمة، وانما نحن فيها زائرون، وسوف تنتهي الزيارة حتما إلى بعث وحساب وجزاء ) ) [11] . وقد ذاق أعرابي بذوقه اللغوي معنى الإقامة العابرة في هذا التعبير، فعندما سمع هذه الآية المباركة قال: (( بُعِث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم ) ) [12] .
2 -المقابر
(1) النحل /58 - 59.
(2) ينظر. بصائر ذوي التمييز 2/ 599.
(3) في (القوم) إشارة إلى العداء كما سيأتي في مبحث (الفرق والجماعات) .
(4) ينظر. المقاييس (زور) 3/ 36.
(5) ينظر. نفسه.
(6) التكاثر /1 - 2.
(7) يروى أنها نزلت في جماعة من بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا ففاق بنو عبد مناف بني سهم، فقالوا ان البغي أهلكنا في الجاهلية فعادُّونا بالأحياء والأموات / ينظر. الكشاف 4/ 481، وسياق أسباب النزول هو دعا المفسرين إلى القول إلى الأول والثاني في (زرتم) / ينظر. التفسير البياني للقرآن الكريم 1/ 1889.
(8) ينظر. الكشاف 4/ 281، البحر المحيط 8/ 507.
(9) ينظر. تفسير الطبري 30/ 198، التفسير الكبير / الرازي 8/ 507 التفسير البياني للقرآن الكريم 1/ 188.
(10) ينظر. الكشاف 4/ 281،وقد قصر التهكم على القول الثاني.
(11) التفسير البياني للقرآن الكريم 1/ 188، وينظر. تطور البحث الدلالي / د. محمد حسين علي الصغير65 - 66.
(12) البحر المحيط 8/ 507، وينظر. التفسير البياني للقرآن الكريم 1/ 189.