فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 257

أنه ناظر إلى الهيأة الصورية أو الشكلية، على حين نظر الاستعمال الأول (وردا) إلى الحالة العامة للمسوقين، فيشير هاهنا إلى حالة انطفاء الحياة وتبدل اللون، وهي اكثر بشاعة من الأولى؛ لأنه هناك قال (نسوق) أي انهم في الطريق إلى جهنم، وقال هنا (نحشر) أي انهم قد وصلوا ولم يبق إلاَّ إلقاؤهم في النار.

وليس اللون ببعيد عن التعبير الرمزي [1] والدلالة النفسية، إذ يقارب اللون الأزرق الدلالة على الصمت والتأمل الباطني [2] ، وهو من بين أهم الألوان التي يمكن أن يصطلح عليها بـ (الألوان النفسية) [3] ، فتوحي (زرقا) بالتمني ومحاولة اللَّياذ بالآخرين [4] ، ومحاولة التشفع اليائسة التي ذهب أوانها. وقريب من دلالتها المادية على العطش دلالته على خلوهم وخلو ساحتها من كل خير، وعدم حياة قلوبهم الحياة السليمة التي تنجي من عذاب يومئذ الذي هم فيه.

(عَنَتَ)

تكون معاني هذه المادة بين الخضوع والقهر [5] . وذكرها القرآن الكريم مرة واحدة في سياق القيامة، وذلك قوله تعالى: {وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [6] . والوجوه في هذا المقام هي وجوه العصاة من المحشورين، فهؤلاء إذا تيقنوا يوم القيامة كانت الخيبة والخذلان، وتلمسوا العذاب كسا وجوههم الذل [7] والعار.

وأخذ عنت الوجوه من عَوان الأسير، وهو ذله [8] وارتهانه، فهؤلاء كالمرتهنين بذنوبهم [9] يقيدهم ذل الخيبة والخسار، وجوههم باسرة [10] قد سيئت [11] تعلوها قترة [12] .

هذا إذا خصت الوجوه بوجوه الكفار والمردة، أما إذا كانت وجوه المؤمنين، فان دلالة أُخرى

تستشف من (عنت) هي الركوع، والسجود [13] والنضرة [14] . وخشوع المتذلل المستلهم لإشراق الحياة بالنور والعدل الإلهي [15] . وهذا الإيحاء إنما تتعاطاه هذه اللفظة من (الحي القيوم) حيث الخلود والعدل، وبوادي النعمة والفضل.

(1) ينظر. علم عناصر الفن / فرج عبو 1/ 120.

(2) ينظر. الضوء واللون / فارس متري ظاهر 50.

(3) ينظر. اللون في القرآن الكريم ـ دراسة لغوية صرفية نحوية ـ (إطروحة دكتوراه) نضال حسن سلمان، 37، 269 - 270.

(4) ينظر. معاني القرآن 2/ 191، اللسان 10/ 139.وهو في الدراسات اللونية لون حالم يبعث على الخيال / ينظر. نظرية اللون / يحيى حمودة136، المجال الدلالي بين كتب الألفاظ والنظرية الدلالية الحديثة 76.

(5) ينظر. العين (عنو) 2/ 252.

(6) طه /111.

(7) ينظر. الكشاف 2/ 554.

(8) ينظر. العين (عنو) 2/ 252، مجاز القرآن 2/ 30، الكشاف 2/ 544.

(9) ينظر. العين 2/ 252.

(10) يقول تعالى: (( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ) )القيامة /24.

(11) يقول تعالى: (( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ) )الملك /27.

(12) يصف تعالى وجوه الكفار فيقول: (( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ - تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) )عبس /40 - 41.

(13) ينظر. إعراب القرآن /النحاس 3/ 58 وهذا تفسير ابن عباس لها.

(14) إشارة إلى قوله تعالى (( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضرة ) ).

(15) إشارة إلى قوله تعالى: (( وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) )الزمر /69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت