وجاء في سياق تكريم أهل الجنة، كما في قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ - بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ - لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [1] ، أي أن الخمرة لا تذهب بعقولهم [2] .
وقرئ (يَنزفون) على معنى لا ينفد شرابهم أبدًا [3] ، وقراءة (يُنزَفُونَ) أعلى [4] ؛ ذلك أن السياق يميل إليها، فكأنه قال لا يغادرونها سكارى قد فقدوا عقولهم، إنما يغادرونها وعاة لما يقولون ويفعلون، فهذه الخمرة (( لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك، ولا هم يسكرون وهو أعظم مفاسدها، فافرزه وأفرده بالذكر ) ) [5] ، وما دامت الخمرة هذه حالها فان شاربها لا يفارق ذكر الله وشكره، فتكون دلالة الإلزام لقوله (ينزفون) الشكر وذكر الله تعالى.
ب ـ التلذذ.
(يُحْبَرُونَ)
الحَبْرة: النعمة [6] .
وجاء في قوله تعالى: {فَهمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [7] . ومن مصاحبات النعمة الفرح والسرور [8] . وقبل ذلك التكريم [9] ومن ثم تتبدى آثار النعمة [10] .
ومن المصاحبات الدلالية لهذا الاستعمال في سياق النعيم والآخرة، العبادة والشكر، فهم يفرحون ويسرون بالنعمة فيشكرون عليها بالعبادة، وفي (يحبرون) إشارة إلى العلم والتفكر والتخيل، ذلك أنهم في روضة أُخروية،، فنبه بهذا الاستعمال على التمثل المعنوي للجمال الأكمل، فكان ـ ولا بد ـ تمثيلا اكملا، أي حسي معنوي.
(فاكهين)
التفكّه: الفرح والإعجاب [11] .
وبه فسر في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ - فَكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [12] . فقيل في معناه: فاهمين [13] معجبين [14] فرحين [15] . ودلالته على التنعم تحفظ إيحاء هذا اللفظ حيث الشكر والدعاء والفخر.
(1) الصافات /45 -47، وينظر. الواقعة /19.
(2) ينظر. العين 7/ 373.
(3) ينظر. إعراب النحاس 3/ 419 -420، الكشاف 3/ 430.
(4) ينظر. إعراب النحاس 3/ 419 -420، بواكير التفسير القرآني عند الخليل /د. هادي عطية مطر 242
(5) الكشاف 3/ 340.
(6) ينظر. العين (حبر) 3/ 218.
(7) الروم /15، وينظر. الزخرف /70.
(8) (( يفرجون، ويسرون ) )دلالة (يحبرون) عند أبى عبيدة / ينظر. مجاز القرآن 2/ 120.
(9) ذكر النحاس (يكرمون) دلالة لـ (يحبرون) ينظر. إعراب القرآن 3/ 278.
(10) نقل النحاس عن علي بن سليمان قوله في يجبرون (( هو مشتق من قولهم: على أسنانه حبرة أي: اثر، فيحبرون أي يتبين عليهم أثر النعيم ) )إعراب القرآن 3/ 268.
(11) ينظر. العين (فكه) 3/ 381.
(12) الطور /17 -18، وينظر. يس /55.
(13) ينظر. العين (فكه) 3/ 381.
(14) ينظر. نفسه، معاني القرآن / الفراء 3/ 91.
(15) ينظر. العين 3/ 381.