(يشرب)
الشُّرب: تناول كل ما كان مائعا، من ماء أو غيره [1] .
وجاء في الاستعمال القرآني في ضمن السياق الأُخروي (10مرات) ، منها قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا - عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [2] . والطريق إلى دلالة فعل الشرب في هاتين الآيتين تمر بالإمساك بالفرق الدلالي بين حرفي الجر (من) و (الباء) . إذ قال تعالى في الآية الأولى (يشربون من كأس) وقال في الثانية (عينا يشرب بها) . وساوى غير واحد من النحاة بين (من) و (الباء) في هذين الموضعين، فعد الباء بمعنى (من) دالة على التبعيض [3] أيضا، فيصير الكلام بمعنى (يشرب منها) .
ولا يُخطأ في الباء معنى الإلصاق في هذا السياق، فإن (( العين ههنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء نفسه، نحو(نزلت بعين) فصار كقوله: مكانا يشرب به )) [4] .
وظل تأويل هذا الاستعمال يتوسل بالتضمين، فمنهم من رأى في (يشرب) معنى (يرتوي) [5] ومن ثم يوحي فعل الشرب ـ في الآية الثانية ـ بالتلذذ الأكمل فهم يشربون (يسمعون) الصوت العذب، ويشربون (ينظرون) المنظر الجميل الرائق، فضلا عن شرب الماء ومشروبات أخر؛ ولو كأني بأهل الثواب هؤلاء قد استغنوا عن شرب الماء بمنظره، فيلحظ أن (يشرب) يتحمل الدلالة على شرب (ممارسة) اللذة والمتعة [6] جميعها، فالعين تشرب، والأذن تشرب، والقلب يشرب ... فدل به على مظاهر التلذذ كلها؛ ذلك أن اللذة لما تتكامل إلاَّ بممارسة الحواس كلها فعاليتها. فوصل إلى ذلك بأن اشرب (يشرب) الدلالات الإيحائية هذه. فلما كانت هذه العين مخصوصة بالأبرار من عباد الله [7] كان التلذذ بها مخصوصا أيضا.
ومنه قوله تعالى: {عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورً} [8] . الدلالة الوجدانية للشراب في سياق التكريم أن يكون الله تعالى (( سقاهم التوحيد في السر فتاهوا عن جميع ما سواه ) ) [9] متأملين، شاكرين، يشغلهم العشق الإلهي، ويفيض بأنواره عليهم.
(يُنزَفُونَ)
نَزَف الماء، إذا نزح كله [10] وغاض. والسكران، إذا ذهب عقله [11] .
والجريح، إذا خرج دمه كله [12] .
(1) ينظر. المفردات (شرب) 263 -264.
(2) الإنسان /5 -6، وينظر. المطففين /28، الصافات /46، محمد /15.
(3) ينظر. معني اللبيب /ابن هشام 1/ 105، همع الهوامع / السيوطي 2/ 12.
(4) البرهان في علوم القرآن 3/ 338 -339.
(5) ينظر. مغني اللبيب 1/ 105.
(6) خص الدكتور فاضل السامرائي التمتع هنا (( بلذتي النظر والشراب ) )/معاني النحو 3/ 25، التعبير القرآني 190.
(7) ينظر. الجنة في القرآن الكريم ـ دراسة جمالية /ابتسام السيد عبد الكريم المدني (رسالة ماجستير) 44.
(8) الإنسان /21، وينظر. ص /51، الطور /19، الحاقة /24، المرسلات /43.
(9) التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق / د. علي زيعور 212.
(10) ينظر. المفردات (نزف) 509.
(11) ينظر. العين (نزف) 7/ 373 ,
(12) ينظر. المفردات 509، الكشاف 3/ 340.