واستعمله القرآن العزيز مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ - إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [1] . واختصاصه هذا يشير إلى صرف القلب عن وظيفته في معرفة الله سبحانه وحبه فكأن القلوب تحيا بهذه المعرفة وتنبض بهذا الحب، وقربه الدلالي إلى (( غلبة السكر على القلب ) ) [2] قريب، على حين صار كفر هؤلاء (( كصدأ على جلاء قلوبهم فعمى عليهم معرفة الخير من الشر ) ) [3] .
ويبدو ان (الرين) أعلى مراحل البعد عن الحق؛ ذلك انه يمثل انطفاء القلب وسواده، ودنسه وعدم طهارته، كما يقول تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [4] . ولم يعمد لغوي إلى التفريق بين (ختم) و (طبع) و (ران) ، بل فسروا كلا منها بالآخر [5] . غير أن إشارة الراغب ـ على الرغم من انه لم يستثمرها في التفريق الدلالي بين هذه المفاهيم ـ إلى ان الطبع أعم من الختم [6] متفردة في بابها، يمكن الإفادة منها في ان الطبع مرحلة بعد الختم، اعتمادا على السعة المكانية التي يوحي بها الطبع؛ فيكون الختم أول الزيغ يتلوه الطبع تمكنا وقوة، ومن ثم ينطفئ القلب بابتعاده تماما عن مظاهر التجلي الإلهي والعشق والنور، فيخلو من معاني الحياة الهادفة اللاذة السابحة في أبعاد المعرفة الإلهية، ويتحول إلى آلة مادية تؤدي وظيفة جسدية حسب.
4 ـ العمل الزائف:
(بُور)
البوار: عدم وجود شيء. وارض بوار: خالية من الزرع [7] .
وذكره القرآن الكريم مرتين، من ذلك ما جاء في سياق الكلام على المنافقين من الأعراب المتخلفين عن الجهاد، إذ يقول تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [8] . وتدل (بورا) على الهلاك [9] والضلال [10] وفساد [11] القلب والنية [12] وبطلان العمل [13] . ويوحي استعمالها في هذا السياق بالضعف واليأس بسبب من عدم حسن الظن [14] ، ويبقى وحيها بالانهماك في الماديات والانشغال بالدنيا. وأهم من هذا وحيها بفساد الرأي وانطفاء العاطفة و
(1) المطففين /12 -14.
(2) التبيان 1/ 298.
(3) المفردات 214.
(4) المائدة /41.
(5) ينظر. المفردات 143، 214، 310، إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم 153.
(6) ينظر. نفسه (طبع) 310.
(7) ينظر. اللسان (بور) .
(8) الفتح /12، وينظر. الفرقان /18.
(9) ينظر. العين (بور) 8/ 285، مجاز القرآن 2/ 217، المفردات (بور) 62، الكشاف 3/ 544.
(10) ينظر. العين (بور) 8/ 285.
(11) ينظر. معاني القرآن /الفراء 3/ 66.
(12) ينظر. الكشاف 3/ 544.
(13) ينظر. المعجم الجامع (بور) 75.
(14) ينظر. من وحي القرآن 21/ 133.